-مفارقات وتداعيات -….منى الصراف

منبر العراق الحر :
لعدم وجود احصائية في البلدان العربية المسلمة والتي من خلالها نستطيع ان نعرف النسبة الحقيقية لهولاء الشباب الذين نفروا من الدين والمتدينين لتصل الى الذات الإلهية ، قد يكون السبب لان غالبيتهم يكتمون هذا الامر ولا يعلنوه جهرًا خصوصًا في مجتمعاتهم المتدينة ، ولكن الكثير من المؤشرات تؤكد زيادتها في مجتمعاتنا وتنوع هذا النفور لتصبح تداعياته بتسميات متعددة بين الإلحاد واللادينيين او اللاادريين .
ان الضغطَ النفسي والعنف والظلم والاستبداد والجوع والخوف تحت نظام مستبد عقائديًا ودينيًا وحين يكون هذا النظام تحت حماية رجال دين يروجون لهم ، جعل من هذا النفور يأخذ شكله الواسع .
لنعود بالتأريخ الى الوراء سنجد ان مثل هكذا تجمعات او حركات ظهرت في القرون الأولى لظهور الاسلام وكان هذا الظهور غير بعيد عن نفس الأسباب التي نراها اليوم ألا وهو الإضطهاد او تلاقح الثقافات والتي جعلتْ سكان الارض كأنّهم في قريةٍ واحدة .
ان التمردَ على الدين ليس بجديد على بني البشر حين يقف تحت قبة الطغيان ، لذلك نلاحظ ان اكبر حالات التمرد ظهرت في اوربا بعد تفشي الظلم للحكام ورجال الدين المطبّلين لهم . فنجد ان تداعيات هذا النفور يأخذ اشكالًا عدة اما ان يكون شخصي ناتج عن الكبت او ظروف قاسية مر بها هذا الشخص او يأخذ مسار فكري بحركات تنويرية اجتاحت اوربا وكذلك المجتمع الاسلامي حين دخل الاسلام أراضيهم وتلاقحت تلك الثقافات لتنتج عنها ظهور تلك الحركات او تجمعات اسلامية فكرية وظهور فلاسفة ومفكرين مسلمين ساهموا في التوفيق بين الدين الاسلامي والفلسفة اليونانية او الفارسية او الهندية .
من اشهر هولاء الفلاسفة هو ( الكندي ) و( الفارابي ) و ( ابن سينا ) (والإمام الغزالي) و(الجاحظ)وغيرهم الكثيرين ، وتطورت هذه الجهود لتصبح بعدها حالة اجتماعية تمثلت بظهور مجموعة عرفت بأسم ( أخوان الصفا ) واشتهرت هذه المجموعة بتصنيفها مجموعة من الرسائل في مختلف فروع الفلسفة والعلوم الأنسانية وقد لاقت هذه الرسائل رواجًا كبيرا في مختلف العالم الاسلامي . وقد اختلف الكثيرون في تحديد هويّات اصحاب تلك الرسائل لأنهم كانوا يعملوا في الخفاء . فقد كانت تعتبر اول حركة نقدية وعقلانية في تأريخ الفكر الأسلامي .
من اهم اهدافهم كانت هو التقارب بين الدين وفلسفة الامور في الوقت الذي كانت تعتبر الفلسفة هي مجرد ( تمنطق ) ومن تمنطق فقد (تزندق) ! . استمرت رسائلهم بشكل سرّي غير مُعلن واستمر فكرهم لقرون عديدة واصبحت بعد ذلك افكارهم منهلًا ثريًا لكل من جاء بعدهم من الفلاسفة ( كإبن سينا والفارابي ونصير الدين الطوسي ) وغيرهم الكثير . وهذه المجموعة جاءت على اثر الفلسفة اليونانية وفكرها الحر بعد ان تم ترجمة الكتب اليونانية والفارسية والهندية الى اللغة العربية .
ظهرت حركة اخرى الا وهي ( المعتزلة ) وقد كانت بدياتها بفكرة وعقيدة واحدة الى ان اصبحت من اكبر الحركات النقدية والثقافية في المجتمع الاسلامي . واسباب تسميتهم ب ( المعتزلة ) جاءت بعد اعتزال مؤسسها ( واصل بن عطاء ) لمجلس شيخه الحسن البصري بعد جدال دار بينهما وإتهام شخيه بانه اصبح كافرًا وكان رد فعل واصل بن عطاء لشيخه بانه ليس بكافر بل ( منزلة بين منزلتين ) بمعنى لا مؤمن ولا بكافر انما مفكر فقط . ومن اهم ملامح هذه الحركة هي : حرية اختيار الإنسان ومسؤوليته عن اعماله وإعطاء مكان للعقل البشري بدل الخرافة . وكان من اشهر المعتزلة هو ( الزمخشري ) و ( الجاحظ ) . ونجد ايضا ان مثل تلك الحركات ظهرت في اوربا ونتج عنهم علماء وفلاسفة ومفكرين نادوا بقوة العقل واعتمدوا التجربة العلمية ونتائجها الملموسة بدلا من الإعتماد على الخرافة والخيال . ومن اشهر العلماء كان ( اسحاق نيوتن ) .
ان الجرائم والانتهاكات الانسانية باسم الدين في القرون الوسطى في اوربا وتلتها حروب كبيرة طاحنة وسنوات من الظلم من قبل الكنيسة لمحاربة كل من يخالفها وحرقهم احياء لكونهم من ( المهرطقين ) او سَحَرة .
فالدين هنا لم يجلب لهم سوى الهلع والفزع والخوف والظلم نتج عن هذا كله نفور اجتماعي كبير ليصل الى شخصيات كانت تعمل ( كرهبان في الكنائس ) لينقلبوا بعد ذلك حتى على الإله . وتلت ذلك حركات معاصرة في الإلحاد والتي تجاهلت تماما وجود الإله ، فقد قال الشاعر الفرنسي ( وبريفير ) : ( أبانا الذي في السموات ) إبقَ فيها ، فقد ساد الإعتقاد لدى هولاء ان بوحود الإله يلغى كرامة الانسان وان الإنسان الذي يعيش في ظل غيره سيبقى كائنًا تابعًا . لذلك دعوا الى نبذ الدين .
ان الكوارث والحروب وتداعياتها في الفقر وإنعدام القانون ستولّد أُناس يرفضون هذا الدين الذي تحت وصاية حكمهم .
ونلاحظ ان التطور التكنولوجي شهد في الغرب ظهور تيارات اعلنت استقلالها عن الدين وهذا العصر كان عصر ( كارل ماركس ) و ( داروين ) و ( نيتشه ) و ( فرويد ) واخرين غيرهم ، وهولاء بدأوا بتحليل الظواهر العلمية والشؤون الأجتماعية .
نلاحظ ايضا ان المجتمعات العربية وظهور المنهج التكفيري فيها وانغماس الكثيرين في الفكر القومي ليصل بعد ذلك في التعصب الديني في الدين الواحد . وتحوله الى حروب طاحنة بعد ذلك . كما نلاحظ ان الغرب بعد عصر النهضة العلمية والفكرية وابعاد الدين عن القوانين الانسانية المتغيرة في كل زمان ومكان جعلت من هذا الإنسان في مقدمة الارض بأحترامه مهما كان مختلفا عن طبيعة الجنس البشري .
ان اول انقلاب في دولة اسلامية كانت تركيا على يد مؤسسها ( مصطفى كمال اتاتورك ) وقد كان من اشهر عشاق عصر التنوير فقد كان قائد الحركة التركية الوطنية التي حدثت في أعقاب الحرب العالمية الاولى واصبح بعد ذلك مؤسس تركيا الحديثة فبدأ ببرنامج اصلاح في السياسة والاقتصاد والثقافة فحوّل دولته الى دولة ديمقراطية علمانية . وكذلك كان منهج شاه ايران .
حين نضع الانسان تحت قبة واحدة ونتقبله مهما كان هذا الاختلاف ونحمي الجميع بقانون بشري واحد ملزم وحازم
نستطيع بعد ذلك ان نقول إننا سننهض بالامة ..
اما الضغط فلا يولد سوى النفور وعلينا ..
ان نتحمل شظاياه .
منى الصرّاف / العراق

اترك رد