منبر العراق الحر :
تُعدّ شعرية التناص من أبرز الظواهر الأسلوبية التي تتسم بها الكتابة السردية الحديثة، حيث تتداخل النصوص وتتحاور في ما بينها داخل العمل الأدبي، مانحة إياه عمقًا دلاليًا وجماليات متعددة. ويُعد نجيب محفوظ، الأديب العربي الحائز على جائزة نوبل، من أبرز الكُتّاب الذين وظفوا التناص بشكل فني مبدع، مما أضفى على نصوصه أبعادًا رمزية وثقافية غنية، وفتح الباب واسعًا أمام جماليات التلقي.
أولاً: التناص بوصفه بُنية فنية في سرد نجيب محفوظ
التناص، كما عرفته جوليا كريستيفا، هو “تشابك النصوص” أو “تداخلها”، إذ لا يوجد نص خالص بذاته، بل كل نص يحوي داخله صدى نصوص أخرى. وقد استخدم نجيب محفوظ هذه التقنية بأساليب متنوعة، منها المباشر كذكر نصوص أو رموز دينية وأدبية، ومنها غير المباشر كالإيحاءات والتلميحات الثقافية أو الأسطورية.
في روايته المثيرة للجدل أولاد حارتنا، يتجلى التناص الديني بشكل واضح، حيث تتجسد الشخصيات الرمزية (جبلاوي، أدهم، إدريس، جبل، رفاعة، قاسم…) على نحو يُحاكي الأنبياء والرسل، في بنية سردية تُعيد سرد التاريخ الديني بطريقة رمزية تحاكي مسيرة الإنسانية مع السلطة والمعرفة والحرية. وقد استعان محفوظ بالتناص القرآني والأحاديث النبوية، إما بصورة مباشرة عبر بعض الألفاظ، أو من خلال بنى سردية تقترب من القصص الديني في طبيعته وتراكيبه.
ثانيًا: التناص الأدبي والتاريخي
إلى جانب التناص الديني، استخدم محفوظ التناص الأدبي مستلهمًا من التراث العربي، كما في الحرافيش التي استدعى فيها أجواء “ألف ليلة وليلة” وقصص الفتوة الشعبية، معيدًا صياغتها وفق رؤية فلسفية حديثة. كما تظهر إشارات تاريخية كثيفة في ثلاثيته الشهيرة (بين القصرين، قصر الشوق، السكرية)، حيث تتقاطع الحكاية الشخصية مع السرد الوطني، مستحضرة سياقات ثقافية وتاريخية حقيقية، مما يضفي على النص واقعية ممتزجة بالرمز.
ثالثًا: التناص الفلسفي والصوفي
أواخر مسيرته، انزاح محفوظ نحو الأسلوب الرمزي والفلسفي، خاصة في أعمال مثل أصداء السيرة الذاتية، التي كتبها بأسلوب تأملي قصير يشبه الأمثال والحِكم، وفيها تتردد أصداء أفكار وجودية وصوفية. هنا، يصبح التناص أداة لإثارة الأسئلة لا للإجابات، مما يضع القارئ أمام مهمة تأويلية مستمرة.
رابعًا: جماليات التلقي ودور القارئ
لا تكتمل شعرية التناص إلا بحضور القارئ، الذي يتحول من متلقٍ سلبي إلى شريك في إنتاج المعنى. إذ يُثير التناص فضول المتلقي، ويحثه على البحث في الطبقات الخفية للنص. فالقارئ المطلع على النصوص المرجعية ـ سواء كانت دينية أو أدبية أو تاريخية ـ سيتمكن من فك الشفرات الرمزية، مما يضاعف لذته الجمالية ويمنحه سلطة تأويلية فاعلة.
تُولّد هذه البنية التناصية تعددية في المعنى، فتفتح المجال أمام قراءات مختلفة، تتنوع حسب الخلفيات الثقافية والتجارب الفردية للقراء. وهنا تتجلى عبقرية محفوظ، الذي جعل من نصوصه فضاءً مفتوحًا للتأويل، دون أن يفقد النص تماسُكه أو وحدته السردية.
خاتمة
إن شعرية التناص عند نجيب محفوظ ليست مجرد زخرفة لغوية، بل هي جوهر فني وفكري في بناء نصه السردي، تُغني التجربة الجمالية وتوسع أفق القراءة والتأويل. من خلال هذا التداخل النصي، يُمكّن محفوظ نصوصه من التواصل مع تراث حضاري عميق، وفي الوقت ذاته يُحاور الواقع والذات الإنسانية. وهكذا يتحول النص إلى كيان حي، يتفاعل مع الماضي والحاضر، ويستنهض وعي القارئ في كل قراءة جديدة.
ربا رباعي
الاردن
منبر العراق الحر منبر العراق الحر