صناعةُ الأصنام. …بِقَلَم: محمد خليفة أحمد

منبر العراق الحر :مِن البَدَهي أن هناك فرقًا بين الدين، والذين ينتسبون للدين، ويُقدِّمون أنفسَهم على أنهم «رجال هذا الدين»(١)، وهذه التفرقة ليست تَرَفًا؛ وإنما هي رُكْنٌ رئيسٌ في سبيل نَزْعِ القداسةِ عن البشر، فالقداسةُ وحدها للدين ونصوصه القطعية: القرآن الكريم، أما المتلقُّون لهذا الدين، يبقى فهمهم فهمًا بشريًّا، لا يمكن بحال مِن الأحوال أن نُضفي عليه طابع القداسة التي هي للدين ذاته، لماذا هذه التفرقة مهمة؟
أولًا: لأن النصَّ الدينيَّ إنما هو مِن الله، والله سبحانه لا يمكن الإحاطة بمراده وبكلامه وفهمه فهمًا نهائيًّا مطابقًا لِمَا صَدَرَ عن الذات الإلهية نفسها، لأننا إنْ زَعَمْنا ذلك؛ لكانت الأفهامُ البشريةُ مساويةً ومُطابقةً لمراد الله كما هو في نفس الأمر، أي كما صَدَرَ عن الله، وحاشا لله أن تُحيطَ به أفهامُ المخلوقين بالله من كل وجوه من الوجوه.
ثانيًا: إذا لم تَحْدُث التفرقةُ بين الدين والمنتسبين إليه من العلماء وغيرهم؛ فستَنْسَحِب القداسةُ التي هي للدين ذاته، لتشملَ الممثِّلين لهذا الدين؛ فيصبح «رجال الدين» مُقدَّسين فيما يصدرُ عنهم، ولا تصحُّ مراجعتُهم في أي قولٍ من أقوالهم ولا أفعالهم.
ثالثًا: إذا ساوى بعضُهم بين الدينِ ورجاله؛ حينها سنكون أمام أفهامِ بشرٍ مثلنا، تُقدَّمُ إلينا على أنها «نهائية» لا مراجعةَ فيها، ويترتبُ على ذلك أن الجمودَ والركودَ الفكري سيَضْربُ المجتمعَ، ويسُودُ الاحتكارُ للفِكْر، فلا يمكن للإنسان في مجتمعٍ كهذا أن يمارِسَ حقًّا بَدَهيًّا له في التفكير والنقد والأخْذِ والرد، وإذا كان على مستوى الاقتصاد والمجتمع توجد طبقةُ «الإقطاعيين»، وهم طبقة المُلَّاك الذين يمتلكون الأراضي والأموال على نطاقٍ شديد الاتساع، ويصبح الباقي مِن الشعبِ عاملين عند هذه الطبقة، وتتَّسِمُ العَلاقةُ بين المُلَّاكِ الكبارِ والفلاحين الذين يعملون عندهم بالتسلُّطِ مِن قِبَلِ طبقة الإقطاعيين/المُلَّاك(٢)، وإذا كان الإقطاعُ في النِّظام الاجتماعي والاقتصادي على هذا النحو؛ فإنه يحق لنا أن نُسَمِّي العَلاقةَ التي بين «رجال الدين»، الذين يَدَّعون القداسةَ، من الناحية العملية، حتى ولو لم يصرِّحوا بذلك من الناحية النظرية، أقولُ: يحق لنا أن نسمِّي العَلاقةَ بين «رجال الدين» وبين الناس بما أصطلِحُ عليه بـ «الإقطاع الفكري»؛ فرجال الدين الذين يزعمون القداسةَ -هم تمامًا أو أشد- كطبقة الإقطاعيين على المستوى الاجتماعي والاقتصادي؛ إذ إن عَلاقةَ رجال الدين هؤلاء بالناس تقوم أيضًا على التسلُّط، واستلاب الحق في التفكير؛ فهم يفكرون بدلًا مِن الناس، ويقررون لهم ما يكون وما لا يكون، هذا كله يَحدث كثمرة مِن ثمار التسوية بين الدين ذاته، وبين رجاله أو المنتسبين إليه.
فاستَخَفَّ قومَهُ فأطاعوه.
هل اللوم كله يَقَعُ على كاهلِ «رجال الدين» مع نفْي اللوم عن المُتلقِّين؟
إن المُتلقِّي تقع عليه مسؤولية إفساح المجالِ لهؤلاء؛ فما توغَّلَ رجالُ الدين في المجتمعات إلا من خلال الاستقواء بأتباعهم، والطاعة العمياء التي تُقدَّم لهم، ونَجِدُ القرآن الكريم يُلقي باللوم على مَن يتَّبِع الآخَر في إغوائه له، ففي قوله تعالى: «فَٱسۡتَخَفَّ قَوۡمَهُۥ فَأَطَاعُوهُۚ إِنَّهُمۡ كَانُوا۟ قَوۡمࣰا فَـٰسِقِینَ». (سورة الزخرف، الآية: ٥٤). نَجِد أن اللهَ قد ألقى باللوم على الذين اتَّبَعوا فرعون ووصفهم بالفِسْقِ، هذا على الرغم من أن فرعون هو الذي «استخفَّهم»، ولكن لأنهم قد قبلوا هذا الاستخفافَ، واستجابوا له؛ فاستحقوا بذلك الذمَّ، وهذه الآية، في رأيي، مِن أكثر الآيات التي يمكن أن نَستشهدَ بها على مسؤوليةِ الإنسانِ عن أفعاله، وأن التبريرَ -في الغالب- بإلقاءِ اللوم على مَن صدرَ منه الفعل والاكتفاء بذلك لا يصح؛ فالمتلقِّي له دورٌ في صناعةِ الأصنامِ وتقديسها.
وسيُقال من طبقة «الإقطاع الفكري» أو «رجال الدين» إنه ليس هناك تقديسٌ، وأننا لا نُقَدِّسُ أحدًا، هذا الكلام يتردد مِن ألسنتهم فقط، وهناك فجوةٌ عميقةٌ بين التنظيرِ والتطبيق، فللإنسان أنْ يقول ما شاء، ويَدَّعي ما شاء، والكاشف القوي عن صِدْقِ هذا هو «التطبيق والواقع»، والتطبيق والواقع يُخبرنا أن قول هؤلاء بأنه ليس هناك تقديس لأحد، لا يجاوز تراقِيَهم؛ إذ إنهم عند التطبيق لا يتقبلون المساسَ برجل دين ممن ذاع صيتُهم مثلًا وأصبحت له شعبية جارفة، ولكي يَعلم القارئ عدم صِدق رجال الدين في قولهم إنه لا يوجد تقديس لأحد، فليختبر كل شخص مِنا ذلك بنفسه، وليتعرَّضْ بالنقد لبعضِ أفكار رجلِ دين ممن ينتسب إلى هذه الطبقة، خاصة إذا كانت له شعبيةٌ كبيرة، لِيَجِد على الفورِ سَيْلًا مِن الاتهاماتِ الجارفةِ، التي ترميه بالجهل والألفاظ القميئة والسب والشتم، واتهامه بأنه يطعن في العلماء وفي الدين! أرأيتم؟ يتهمون غيرَهم، ممن يتعرض لرجل دين منهم بأنه يطعن في «الدين» لا في «فهم» بعضهم للدين، وهذا ما أشرتُ إليه من أهمية التفرقة بين الدين ومنتسبيه، ولكي أضعَ يدَ القارئ على مثال حي في هذا الأمر لا كلام مُرسَل، فسأسوقُ هذا الموقف:
حدثَ أن تعرضَ الدكتور زكي نجيب محمود، والأديب يوسف إدريس، بالنقد لبعض أفكار وآراء الشيخ الشعراوي، وقد نال الدكتور زكي ويوسف إدريس جرَّاء ذلك هجمات شديدة من جماهير الشيخ ومريديه، لا أظن أنهما تَعَرَّضا لمثلها طوال حياتهما، على الرغم من كوْن النقْد -خاصة من الدكتور زكي- قد صيغ بأشد العبارات تأدبًا ورِقَّة(٣).
ولم يكتفِ الشيخ بهجمات جماهيره ومؤيديه؛ ولكنه شَرَعَ في كيل الاتهامات لهما، متهمًا إياهم بأن «كل» كلامهم خارج الدين، وأنهم «يريدون» التعدي على مقدسات الدين وتشويهه(٤).
دعونا نقرر، ونُذَكِّر، أن الدكتور زكي نجيب محمود، ويوسف إدريس، تَعَرَّضا بالنقد لبعض أفكار الشيخ الشعراوي، ولكن أرأينا كيف يرى الشيخُ نفسَه هو وجماهيره؟ يرى أن التعرضَ لأفكاره بالنقد إنما هي تَعَدٍّ على مقدسات الدين، ولا نستطيع أن نَفهمَ من كلام الشيخ إلا أنه يساوي بين أفكاره وبين الدين المُقدَّس؛ ومِن ثَمَّ استعار قداسةَ الدين وأضْفاها على نفسه، وهذا مثالٌ واقعي على طبيعةِ نظرة رجال الدين لأنفسهم.
وليت الأمر يتوقف عند ذلك الحد؛ فنفْس الشيخ -الشعراوي- لا يتوقف عند الكلامِ في الدين فقط؛ إذ يسمح لنفسه بالحديثِ عن التخصصاتِ العلمية التي لا يتقنها، وليست لديه أيَّة معرفة بها، فيتكلم في علوم الفلك وعَلاقة السماوات السبع ببعضها، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل راحَ الشيخُ يقلل ويحقِّرُ من النظرياتِ العلميةِ الحديثة، ليصِل به الموقفُ إلى الذُّروةِ حين يقوم بتأكيدٍ قاطعٍ على أن علومَ الفضاءِ وتكنولوجيا الأقمارِ الصناعية كلها لا تساوي شيئًا، وأن الذي اخترعَ «ورقة الكلينكس» أو عود الكبريت قد أفاد البشريةَ بأكثر مما أفادها ذلك الذي اخترعَ صاروخًا يصل إلى القمر(٥).
إننا نَصِل بهذه إلى كيفية تدجين رجال الدين لعقول الجماهير، وذلك من خلال إبراز أنفسهم على أنهم يفقهون في كل شيء، وأن كلَّ رأي سواهم، حتى إذا كان يستندُ إلى أدلةٍ علمية، لا قيمةَ له، إن كل هذا من شأنه أن يعودَ بحالةٍ من الركودِ والجمودِ على المجتمع، مما يؤول بنا إلى التخلف عن رَكْبِ الحضارة، ومجاراةِ الأممِ من حولنا، فإما الاستفاقة في وجه هؤلاء، وتحجيم دورهم وكهنوتهم الذي يمارسونه على المجتمع، أو خسران عقولنا وأنفسنا، وتسليمها إلى هؤلاء يتلاعبون بها كما يحلو لهم، وليس هناك مستفيد من هكذا حال إلا رجال الدين.
وفي رأيي أن هناك عاملًا آخر، قد يكون مستترًا، في سبب إصرارِ رجال الدين على الاستبداد الفكري، والتمسك بالجمود، وتقديس آراء وردتْ في كتبٍ صفراء لبشر مثلنا، هذا السبب يتمثل في: الخوف على سلطتهم المركزية في المجتمع؛ حيث إن الناسَ لو تعلَّموا النقدَ والتمحيص لآراء رجال الدين، وتجرأوا على استخدام عقولهم بأنفسهم لا أن يفكر لهم غيرُهم، وانتشر هذا على نطاقٍ واسع؛ لَتفككتْ سُلطتُهم -أي سُلطة رجال الدين-، وخسروا نفوذَهم ومصالحهم؛ حيث إنهم حينئذ يكونوا قد كُشِفوا، ولم يصبح لديهم ما هو حصري ومقصور عليهم وحدهم؛ وهنا تنهار قداستُهم، وتضيع معها مصالحُهم.
ـــــــ
الهوامش:
ـــــــ
(١) مصطلح «رجال الدين»، ارتبطَ تاريخيًّا بالكهانة والتسلُّط مِن قِبَلِ الكنيسةِ الغربيةِ ورجالها على المجتمعِ، وتوغلهم في كافةِ الميادين، ولذلك، ومِن المفتَرَض ألا يكون عندنا في الإسلام «رجال دين»، وإنما «علماء دين»، والفارق بينهما يتمثل في كون المصطلح الأول (رجال الدين) يرتبط بالدكتاتورية الفكرية والتسلط، ولكن لأنه قد أصبحت عندنا طبقة تُضْفِي -ويُضْفَى عليها- طابعُ القداسة؛ فاستحقَّ هؤلاء لقب «رجال الدين» لا «علماء الدين»؛ لِمُشابهةِ حالهم في التسلط حال رجال الكنيسة في العصور المُظلمة في أوروبا.
(٢) د. فؤاد زكريا، «الجوانب الفكرية في مختلفِ النُّظُمِ الاجتماعية»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٦.
(٣) د. فؤاد زكريا، «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة»،(ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٨م)، ص ٢٣.
(٥) د. زكي نجيب محمود، «قِيَم من التراث»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢١م)، ص ١١٥: ١١٦.
(٥) د. فؤاد زكريا، «الحقيقة والوهم في الحركة الإسلامية المعاصرة»، ص ٢٥: ٢٦.

اترك رد