منبر العراق الحر :
في أحد الأحياء الشعبية القديمة، حيث البيوت متلاصقة حتى ليبدو أن الجدار الواحد يحفظ أسرار بيتين، كان بيت أحمد يجاور بيت ابنة عمه نورا.. , لم يكن يفصل بينهما سوى حائط قصير وسطحين متقاربين، حتى صار عبورهما من بيت إلى آخر أمراً لا يحتاج أكثر من خطوة وشيء من الجرأة.
منذ طفولتهما، كان السطح مكانهما المفضل.
في ليالي الصيف، حين يهدأ الشارع وتغلق الأبواب، كانا يصعدان بعيداً عن ضجيج البيوت وأعين الجيران.. , يجلسان عند الحائط القصير، يتقاسمان كيس بزر وصحن فاكهة، ويتحدثان عن أشياء صغيرة لا تستحق أن تُروى لأحد، لكنها كانت بالنسبة إليهما تعني الكثير..
كان السطح مملكتهما الصغيرة؛ حائط منخفض يفصل بين بيتين، لكنه لم يستطع أن يفصل بين روحين..
فوق عتمة الأزقة، وبين حبال الغسيل الممدودة وخزانات الماء وأطباق الهوائيات التي تستقبل أصوات العالم، كان أحمد ونورا يسرقان من الليل ساعات لا يمنحهما إياها النهار..
كانت أم نورا، نعيمة، قد ماتت عام 2011.
ومنذ ذلك اليوم، تغيّر البيت.
لم تعد نورا تحب البقاء فيه طويلاً بعد منتصف الليل، ولا سيما في الطابق السفلي.. , كانت تقول إن الدرج الداخلي يشبه بئراً مظلمة؛ كلما نزلت فيه شعرت بأن شيئاً ما يراقبها من آخره..
لم يكن أحمد يسخر منها.
كان يعرف أن بعض المخاوف لا تحتاج إلى منطق كي تسكن القلب..
لذلك، كلما صعدت نورا إلى السطح، كان ينتظرها حتى تنتهي، ثم يراقبها وهي تعود إلى بيتها.. , وكان يقف عند الحائط حتى يسمع صوت الباب يُغلق خلفها.
كانت تشكره كل مرة.
وكان يجيبها:
— لا شكر على واجب.
لكنه لم يكن يقول لها إن الوقوف عند الحائط كان أحب إليه من العودة إلى غرفته..
في إحدى ليالي الصيف، صعدت نورا كعادتها، تحمل كيس بزر وصينية شاي بلاستيكية، وصعد أحمد من جهته حاملاً راديو صغيراً.
فرشا قطعة بساط قديمة، واتكآ إلى خزّان الماء، وظلا يتحدثان حتى بدأت أصوات الحي تخفت شيئاً فشيئاً.
كانت السماء صافية، والقمر مكتملاً، والنجوم تبدو قريبة بصورة غير مألوفة.
كانت نورا تدرس الأدب، وكانت تحمل دائماً دفتراً صغيراً تكتب فيه خواطرها وقصائدها.
قالت وهي تقرأ إحدى قصائدها:
— ما رأيك؟
ابتسم أحمد.
— رائعة .
رفعت حاجبها.
— فقط ؟!
— وماذا تريدين أكثر؟
— رأياً أدبياً ونقدا موضوعيا …
ضحك..
— أنا لا أفهم في الأدب، لكنني أفهمكِ أنتِ فحسب , وهذا يكفي …
صمتت لحظة، ثم أخفت ابتسامتها وهي تقلب صفحات دفترها.
أحمد نفسه لم يعرف لماذا قالها.
ولم تسأله نورا عما قصد.
كان بينهما من الأشياء ما يكفي لأن يُقال بالصمت.
وبعد قليل، أشارت نورا إلى السماء وقالت:
— أمي كانت تقول لي: إذا شعرتِ بالوحدة، اصعدي للسطح وعدّي النجوم.
نظر أحمد إلى السماء.
— ولماذا النجوم؟
ابتسمت.
— كانت تقول إن كل نجمة تنطفئ معناها روح رجعت إلى ربها وانتقلت إلى مكان أوسع.
سكت أحمد قليلاً، ثم ناولها كوب الشاي.
— وإذا لمعت وحدة أكثر من البقية؟
ضحكت.
— معناها واحد يحبك وذكرك.
نظر إليها.
لكنها كانت تنظر إلى السماء.
ولم يقل شيئاً.
امتد الليل من حولهما، وتسللت برودة الفجر بهدوء.
نظر أحمد إلى هاتفه.
كانت الساعة الثالثة وخمساً وخمسين دقيقة.
قال:
— معقولة؟ صارت 3:55؟
شهقت نورا:
— الفجر اقترب!
ثم نهضت وهي تجمع الأشياء بسرعة.
ضحك أحمد:
— يعني قضينا الليل كله هنا؟
قالت وهي تضع الصينية في يدها:
— ليس مهمًّا… المهم ألّا يرانا أحدٌ من هؤلاء الناس سيّئي الظنّ، أو يسيئوا فهمنا..
ابتسم أحمد.
— هيا، عودي قبل أن يحوّلونا إلى قضيةٍ تستحق التحقيق.
اقتربت نورا من الحائط..
قال أحمد:
— انتظري.
قفزت بخفة إلى سطح بيتها، ثم التفتت إليه.
— لا تتحرك حتى أدخل.
— مثل كل مرة.
اتجهت إلى الباب.
ثم توقفت.
كان الظلام في الدرج أكثر كثافة مما اعتادته.
التفتت إلى أحمد.
كان لا يزال واقفاً عند الحائط.
قال لها:
— اذهبي .. أنا هنا اراقبك …
أمسكت المقبض وفتحت الباب.
وفي اللحظة التي وضعت فيها قدمها على أول درجة، سمعا صوتاً.
خطوة.
ثم أخرى.
توقفت نورا.
نظر أحمد إليها.
جاء الصوت من أسفل الدرج.
خطوة ثالثة.
لم تقل نورا شيئاً.
كان وجهها قد تغير.
همس أحمد:
— نورا؟
لم تجبه.
كان باب الدرج نصف مفتوح، ومن خلفه امتد ظل طويل على الجدار..
راقباه معاً.
تحرك الظل ببطء.
ثم ظهرت هيئة امرأة في آخر الدرج.
ثوب طويل.
وشعر يتحرك ببطء كأن يداً خفية تمشطه.
تراجعت نورا خطوة.
همست:
— أحمد…
قفز أحمد فوق الحائط دون تفكير، ووقف إلى جانبها.
— ما بك ؟!
أشارت بيد مرتجفة.
— أمي.
نظر أحمد إلى المكان.
لم يرَ وجه المرأة.
لكنه رأى شيئاً لم يستطع تفسيره.
تحركت الهيئة خطوة أخرى.
ثم اختفت.
لم يكن هناك صوت باب، ولا وقع قدم، ولا شيء يمكن أن يدل على أنها كانت موجودة أصلاً..
بقي أحمد ونورا واقفين في مكانهما.
قال أحمد بصوت منخفض:
— قد يكون خيالا ؟.
هزت رأسها.
— لا.
— نورا…
— أعرف مشيتها.
ثم أمسكت بذراعه.
— دعنا نرجع.
عادا إلى سطح أحمد.
جلسا في الزاوية التي كانا يضحكان فيها قبل دقائق، لكن الضحك اختفى تماماً..
كان الصمت ثقيلاً.
ثم…
سمعا الخطوة من جديد.
هذه المرة من درج بيت أحمد.
نظر إلى نورا.
نظرت إليه.
خطوة.
ثم أخرى.
اقترب الصوت.
لم يتحرك أحدهما.
وفجأة ظهر الظل على باب السطح.
الهيئة نفسها.
الثوب الطويل.
والشعر الذي يتحرك ببطء.
لكن هذه المرة لم تختفِ.
ظلّت واقفة في العتمة.
ارتجفت نورا.
اقترب أحمد منها، ومد يده فأمسك يدها.
ثم جاء صوت خافت.
هادئ.
دافئ.
مألوف إلى حد جعل قلب نورا يتوقف لحظة.
— نورا…
شهقت.
— أمي؟
لم يجبها الصوت.
ثم قال:
— انزلوا الآن.
تبادلا النظرات.
جاء الصوت مرة أخرى:
— ليس من الجيد أن تبقوا وحدكما في هذا الظلام… انزلا الآن، فالليل طال، والسطح ليس مكانًا للبقاء فيه وحدكما بعد هذا الوقت.. , عودا قبل أن يحدث ما لا تحمد عقباه..
لم تستطع نورا الكلام.
كانت الدموع قد بدأت تنزل على وجهها.
ثم قالت، بصوت بالكاد سُمع:
— يمّه…
سكت الصوت.
وظل الظل في مكانه لحظات.
ثم أخذ يتلاشى ببطء، حتى لم يبقَ منه سوى عتمة السطح.
بقي أحمد ممسكاً بيد نورا.
لم يقل لها إن ما رأياه كان وهماً.
ولم يقل إنه كان روحاً.
لأول مرة، لم يشعر بحاجة إلى تفسير شيء.
جلسا صامتين.
وبعد دقائق، رفعت نورا عينيها إلى السماء.
كانت النجوم لا تزال في أماكنها.
قالت:
— أتتذكّر ماذا كانت تقول أمي؟
هز رأسه.
— ماذا تقول ؟
— كانت تقول إنّ النجوم تبدو أقرب إلى الذين فقدوا أحبابهم.
نظر أحمد إلى السماء.
ثم إلى نورا.
كانت دموعها تنزل بهدوء، لكنها لم تكن دموع خوف هذه المرة.
مد يده إليها.
أمسكت بها.
نزلا السلم ببطء.
وعندما وصلا إلى الباب، توقفت نورا لحظة، ثم التفتت إلى السطح.
لم يكن هناك أحد.
فقط الحائط القصير، والبساط القديم، وكوب شاي نسيته قرب خزّان الماء.
ومنذ تلك الليلة، كلما جلس أحمد ونورا على السطح، كانا يتركان مكاناً فارغاً بينهما.
لم يعرفا هل كانت أم نورا قد عادت فعلاً تلك الليلة، أم أن الخوف والذاكرة والحنين صنعوا لها هيئة وصوتاً.
لم يسألا كثيراً.
بعض الغائبين لا يعودون بأجسادهم.
يكفي أنهم يتركون في المكان شيئاً لا يغادر.
وفي كل مرة كانت نورا تنظر إلى السماء، كان أحمد ينظر إلى الحائط القصير.
وكان كلاهما يشعر، لسبب لم يستطع أحدهما تفسيره، أن المسافة بين البيتين لم تعد كما كانت.
أما المكان الفارغ بينهما… ؛ فلم يكن فارغاً تماماً.

منبر العراق الحر منبر العراق الحر