الاغتراب بوصفه سؤالا عن الإنسان في عالم نجيب محفوظ ****ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
هناك كتاب يكتبون عن الإنسان، وهناك كتاب يجعلون من الإنسان سؤالا مفتوحا لا تنتهي الكتابة حوله. ونجيب محفوظ واحد من أولئك الذين لم ينظروا إلى الإنسان بوصفه كائنا مستقرا في مكانه، مكتفيا بذاته، مطمئنا إلى العالم من حوله؛ بل رآه كائنا قلقا
ولعل الاغتراب هو أحد أكثر المفاتيح الفلسفية قدرة على الدخول إلى عالم نجيب محفوظ الروائي
فالاغتراب عنده ليس مجرد وحدة عابرة، ولا عزلة اجتماعية، ولا ابتعادا عن المكان، وإنما هو حالة وجودية يصبح فيها الإنسان غريبا عن الأشياء التي يفترض أنها الأكثر قربا منه: عن ذاته، وعن أسرته، وعن مجتمعه، وعن المدينة التي ولد فيها، وعن الزمن الذي يعيش داخله، بل وربما عن معنى وجوده نفسه.
كان محفوظ، في عمق مشروعه الروائي، يكتب عن الإنسان وهو يبحث عن مكان له في عالم يتغير أسرع مما نتخيل. ولهذا تبدو شخصياته في كثير من الأحيان كأنها تقف على عتبة عالمين: عالم قديم يشدها إلى الوراء، وعالم جديد يستدعيها إلى الأمام؛ وبين الاثنين تتولد تلك المسافة المؤلمة التي نسميها الاغتراب.
و الاغتراب في معناه الفلسفي ليس أن يكون الإنسان بعيدا عن الآخرين فقط، بل أن يصبح بعيدا عن نفسه وهو يعيش بينهم. أن يمارس حياته اليومية، ويذهب إلى عمله، ويجلس إلى أسرته، ويسير في شوارع مدينته، ثم يشعر في لحظة ما أن كل هذا لا ينتمي إليه تماما.
وهنا تكمن عبقرية نجيب محفوظ؛ إذ لم يجعل الاغتراب خطبا فلسفيا مباشرا، وإنما جعله يتجسد في السلوك، وفي الصمت، وفي القلق، وفي العلاقات الإنسانية، وفي الصراع بين الأجيال، وفي التمرد على السلطة، وفي البحث عن الحب، وفي الخوف من الموت
وهذا ما يجعل عالم محفوظ شديد القرب من الفلسفة الوجودية، حتى عندما لا يتحدث عن الفلسفة بصورة مباشرة. فالسؤال المحوري ليس فقط: من أنا؟ وإنما: كيف يمكن للإنسان أن يكون ذاته داخل عالم يفرض عليه صورا جاهزة لما ينبغي أن يكونه؟
لا يمكن فهم الاغتراب عند نجيب محفوظ بمعزل عن المكان، وبالأخص القاهرة.
القاهرة عند محفوظ ليست مجرد خلفية جغرافية للأحداث، وإنما كائن حي؛ مدينة لها ذاكرتها وروائحها وأصواتها وشوارعها ومقاهيها وأزقتها، لكنها في الوقت نفسه مدينة تتحول باستمرار، وكأن الإنسان الذي يسكنها مطالب بأن يلاحق تحولات لا تتوقف.
في الحارة والزقاق والمقهى والبيت والسوق، نلتقي بشخصيات تعرف المكان جيدا، لكنها لا تعرف دائما كيف تنتمي إليه.
وهنا المفارقة: قد يكون المكان مألوفا إلى أقصى درجات الألفة، ومع ذلك يشعر الإنسان بالغربة داخله.
في الثلاثية، مثلا، لا تبدو الأسرة مجرد وحدة اجتماعية، وإنما تصبح فضاء للصراع بين التقاليد والحداثة، بين سلطة الأب ورغبة الأبناء في اكتشاف ذواتهم، بين عالم تشكلت قواعده في الماضي وعالم جديد يريد أن يكتب قواعده بنفسه.
ومن هنا يصبح البيت نفسه، الذي يفترض أن يكون الملاذ الأول من الاغتراب، مكانا يمكن أن يتكثف داخله الاغتراب.
فالإنسان قد يكون محاطا بأسرته، ومع ذلك لا يجد من يفهم صوته الداخلي
في “بين القصرين” و”قصر الشوق” و”السكرية”، نتابع تحولات المجتمع المصري عبر أجيال متعاقبة، لكننا نتابع في العمق شيئا أكثر فلسفية: تحولات الإنسان نفسه.
إنها ليست حكاية أسرة فحسب، بل حكاية مجتمع ينتقل من زمن إلى زمن، ومن منظومة قيم إلى منظومة أخرى.
شخصيات محفوظ لا تعيش التاريخ من الخارج؛ التاريخ يدخل إلى حياتها، إلى أجسادها وعلاقاتها وأحلامها، ويعيد تشكيل وعيها.
الأب يمثل سلطة الماضي، والأبناء يمثلون بدرجات مختلفة سؤال المستقبل، وبين الطرفين يتولد الصراع.
وهنا يظهر الاغتراب في صورته الاجتماعية والثقافية: الإنسان لا يعود قادرا على العيش وفقا لقيم الماضي، لكنه لا يمتلك بعد القيم الجديدة التي يستطيع أن يبني عليها وجوده.
إنه يعيش في منطقة انتقالية، والمنطقة الانتقالية هي دائما أكثر مناطق الوجود قلقا.
أما في “اللص والكلاب” يبلغ الاغتراب درجة أكثر قسوة.
سعيد مهران يخرج من السجن ليكتشف أن العالم الذي كان يعرفه لم يعد هو العالم نفسه. الأشخاص الذين كان يظن أنهم ينتمون إليه خانوه، والمرأة التي أحبها أصبحت في الضفة الأخرى، والمدينة التي يعود إليها لا تستقبله بوصفه صاحب حق، بل بوصفه شخصا فائضا عن حاجتها.
وهنا يتحول الاغتراب إلى مأساة.
سعيد لا يعاني فقط من فقدان الآخرين، وإنما من فقدان الصورة التي كان يرى نفسه من خلالها.
إنه يبحث عن العدالة، لكنه لا يعرف كيف يصل إليها إلا عبر الانتقام. يبحث عن ذاته، فيجدها معلقة بين ماض لا يستطيع استعادته وحاضر لا يستطيع الانتماء إليه.
ومن هنا يمكن قراءة “اللص والكلاب” باعتبارها رواية عن الإنسان الذي يفقد قدرته على التواصل مع العالم، فيتحول العالم كله في وعيه إلى مؤامرة.
وعندما يفقد الإنسان ثقته بالعالم، يصبح العنف أحيانا بديلا عن الحوار.
لكن محفوظ لا يقدم سعيد مهران بطلا ولا شيطانا؛ إنه يقدم إنسانا مكسورا، والإنسان المكسور أخطر من الإنسان الشرير، لأنه لا يرى في أفعاله سوى محاولة لاستعادة معنى فقده.
وفي ثرثرة فوق النيل نلتقي بنوع آخر من الاغتراب.
هنا لا يهرب الإنسان من المجتمع بالسجن أو الانتقام، وإنما بالانسحاب.
الشخصيات تجتمع فوق عوامة، لكنها في الحقيقة تحاول الابتعاد عن الواقع.
إنها تعيش بالقرب من العالم دون أن تكون جزءا منه.
والعوامة نفسها تصبح رمزا بالغ الدلالة: مكان عائم، لا هو في البر تماما ولا هو في الماء تماما؛ وكأن الشخصيات عالقة بين وجودين، لا تستطيع الانتماء الكامل إلى أي منهما.
الثرثرة هنا ليست مجرد كلام، وإنما آلية دفاع ضد مواجهة الحقيقة.
فالإنسان حين يعجز عن تغيير الواقع قد يحاول إلغاء الواقع من وعيه.
وهكذا يصبح التخدير، والسخرية، والعبث، واللامبالاة وسائل للهروب من سؤال أكثر قسوة:
ماذا نفعل بحياة لا نملك الشجاعة الكافية لمواجهتها؟
محفوظ يدرك أن الاغتراب لا ينتج دائما عن القمع وحده، بل قد ينتج أيضا عن عجز الإنسان عن المشاركة في صناعة العالم الذي يعيش فيه.
في ميرامار تتعدد الأصوات، وتتعدد معها الحقائق.
وهنا يقدم محفوظ شكلا آخر من الاغتراب: اغتراب الإنسان عن الآخر بسبب عجزه عن الوصول إلى حقيقة مشتركة.
كل شخصية ترى العالم من نافذتها الخاصة، وكل واحدة تحمل روايتها عن نفسها وعن الآخرين.
وهكذا لا تعود الحقيقة ملكا لصوت واحد.
الاغتراب هنا معرفي أيضا؛ فأنت قد تعيش مع الآخرين في الفندق نفسه، وتأكل معهم على المائدة نفسها، وتسمع أصواتهم، ومع ذلك يبقى عالم كل واحد منهم مغلقا على نفسه.
إنها مأساة الإنسان الحديث: قد نعيش في مجتمع شديد الاتصال، ومع ذلك نكون أكثر عزلة من أي وقت مضى.
أما في أولاد حارتنا، فإن الاغتراب يرتفع من المستوى الاجتماعي إلى المستوى الميتافيزيقي.
هنا لا يعود السؤال: أين أعيش؟ أو إلى أي جماعة أنتمي؟ وإنما: لماذا يوجد الشر؟ ومن يملك الحقيقة؟ وما حدود سلطة القوة؟ وهل يستطيع الإنسان أن يصنع خلاصه بنفسه؟
الحارة تصبح صورة مصغرة للعالم، والصراع فيها يتجاوز الأشخاص إلى صراع الإنسان مع السلطة والخوف والموروث والرغبة في التحرر.
والإنسان هنا يبدو غريبا حتى عن معنى وجوده، لأنه يعيش في عالم لا يستطيع أن يفسر قوانينه بالكامل
إنها رواية تجعل الإنسان يقف أمام المجهول، لا بوصفه عجزا، وإنما بوصفه سؤالا مفتوحا.
وهذا ربما هو أحد أعظم وجوه محفوظ: أنه لم يمنح الإنسان دائما إجابات جاهزة، بل تركه أمام الأسئلة التي تجعل وجوده أكثر وعيا بذاته.
في الحرافيش يتخذ الاغتراب شكلا اجتماعيا وسياسيا.
الحارة هنا ليست فقط مكانا للسكن، وإنما بنية للسلطة.
هناك من يملك القوة، وهناك من يعيش تحتها.
ومن يملك القوة يستطيع أن يحدد للآخرين ما يجوز وما لا يجوز، ومن يستحق ومن لا يستحق.
ولهذا يصبح الحرافيش غرباء عن حقوقهم قبل أن يكونوا غرباء عن المكان.
وهنا يقترب محفوظ من سؤال فلسفي بالغ الأهمية:
هل يستطيع الإنسان أن يكون حرا في مجتمع لا يملك فيه القدرة على التأثير في شروط وجوده؟
ولا يمكن الحديث عن الاغتراب في عالم محفوظ دون التوقف عند المرأة.
فالمرأة في كثير من أعماله تتحرك داخل فضاء اجتماعي تحدده سلطة الأسرة والتقاليد والرجل، وتصبح حياتها في أحيان كثيرة صراعا بين ذات تريد أن تختار ومجتمع يريد أن يختار عنها.
والاغتراب هنا مزدوج: اغتراب عن المجتمع، وأحيانا
اغتراب عن الذات التي تتعلم منذ طفولتها كيف تتنازل عن رغباتها كي تنال القبول.
فالإنسان الذي لا يملك حق تعريف نفسه، يعيش دائما جزءا من حياته بوصفه شخصا آخر.
وهذه إحدى أكثر صور الاغتراب مأساوية؛ أن يتحول الإنسان إلى غريب عن صورته التي يراها في المرآة لأنه أمضى حياته يحاول أن يكون الصورة التي يريدها الآخرون.
نجيب محفوظ لا يترك شخصياته دائما في العتمة.
ففي عمق الاغتراب هناك بحث مستمر عن الخلاص.
قد يكون الخلاص في الحب، أو المعرفة، أو التمرد، أو الإيمان، أو العمل، أو الحرية.
لكن محفوظ، بحسه النقدي العميق، لا يقدم خلاصا سهلا.
فالإنسان لا يخرج من غربته بمجرد تغيير المكان؛ لأن المنفى الحقيقي قد يكون داخل الإنسان نفسه.
ولهذا يمكن أن يعيش المرء في وطنه ويكون منفيا، وأن يعيش بين أهله ويكون وحيدا، وأن يملك كل أسباب الراحة ولا يجد معنى لحياته.
إن الاغتراب المحفوظي ليس سؤال المكان فقط، وإنما سؤال المعنى.
ربما كانت عظمة نجيب محفوظ في أنه لم يتعامل مع الإنسان بوصفه كائنا مكتمل التعريف.
لم يقل لنا إن الإنسان خير أو شر، مؤمن أو ملحد، محافظ أو متمرد، ضحية أو جلادا.
بل رأى الإنسان في حالته الأكثر تعقيدا: كائنا يتغير، ويتناقض، ويخطئ، ويحب، ويخاف، ويتمرد، ثم يتراجع، ويبحث عن الحقيقة، ثم يخشى نتائجها.
وهذه النظرة هي التي تجعل رواياته تتجاوز زمانها.
في النهاية، ربما لا يكون نجيب محفوظ قد كتب عن الاغتراب بقدر ما كتب عن الإنسان وهو يحاول مقاومة اغترابه.
كان يعرف أن الإنسان لا يعيش في المكان وحده، وإنما يعيش في اللغة والذاكرة والحب والأسرة والتاريخ والأسئلة.
وحين تتصدع هذه الأشياء، يبدأ المنفى.
لكن محفوظ لم يكن روائيا لليأس؛ كان روائيا للسؤال.
والسؤال، في جوهره، فعل مقاومة.
فأن تسأل يعني أنك لم تستسلم تماما لما هو قائم، وأن تشك يعني أنك ما زلت تؤمن بإمكان الحقيقة، وأن تبحث عن معنى يعني أنك لم تقبل أن تتحول الحياة إلى مجرد عادة يومية.
لهذا تبدو شخصيات نجيب محفوظ، رغم انكساراتها، حية حتى اليوم؛ لأنها تشبهنا في قلقها أكثر مما تشبه أبطال الروايات التقليدية في يقينها.
لقد ترك لنا محفوظ عالما يقول لنا، بصورة أو بأخرى، إن أخطر أنواع الغربة ليست أن تفقد بيتك، وإنما أن تفقد قدرتك على أن تشعر بأن هذا البيت بيتك.
وليست المأساة أن يمشي الإنسان وحيدا في الشارع،
وإنما أن يمشي وسط الملايين ولا يجد صوتا واحدا يستطيع أن يقول له: أنا أفهم غربتك.
وربما لهذا كله يظل نجيب محفوظ حاضرا حتى الآن
ولهذا سيبقى نجيب محفوظ حيا كلما شعر إنسان أنه غريب في بيته، أو وحيد بين أحبته، أو عاجز عن فهم الزمن الذي يعيش فيه.
سيبقى حيا كلما وقف أحدنا أمام المرآة وسأل بصمت:
هل هذه أنا حقا؟ أم أنني أمضيت عمري كله أعيش الشخص الذي أراده الآخرون؟
وربما تكون الإجابة التي لم يقلها محفوظ صراحة، لكنه تركها معلقة بين سطور رواياته:
أن الوطن الأخير للإنسان ليس مكانا يسكنه، بل ذات يجد فيها أخيرا القدرة على أن يكون نفسه.
وهنا، تحديدا، تنتهي رواية الاغتراب…
وتبدأ رواية الإنسان.
سلام لروح نجيب محفوظ، ذلك الكاتب والروائي المبدع الذي لم يكتب عن الإنسان من الخارج، بل دخل إلى أعماقه، وأنصت إلى غربته، وترك لنا من الحكايات ما يجعل صوته باقيا ما بقي في الإنسان سؤال عن ذاته، وما بقيت في الحياة حكاية تستحق أن تروى.

قد تكون صورة ‏‏‏شخص أو أكثر‏، و‏وشاح‏‏ و‏الحائط الغربي‏‏

اترك رد