841,577,0,0.5757894736842105,-1

القتل الرمزي للأبوة والأخوة في الثقافة العراقية….عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :….قراءة في الورقة النقدية للدكتور علي حداد في مؤتمر الشعر والنقد…

أثارت ورقة الدكتور علي حداد النقدية، التي ألقاها في مؤتمر الشعر والنقد، اهتماما بما طرحته من قراءة لظاهرة الإقصاء في المشهد الثقافي العراقي، ولا سيما حديثه عن «عقدة الإقصاء لدى المثقف العراقي»، وما سماه «القتل الرمزي للأبوة والأخوة». والقتل هنا رمزي لا مادي؛ فهو يعني محو حضور الآخر معنويا، وإنكار قيمته أو إقصاء منجزه من المجال الثقافي، بما يجعل إثبات الذات مشروطا بإلغاء الآخر.
وقد تناول الحداد الظاهرة من خلال منظورين: السردية النفسية، مستحضرا عقدة أوديب، والسردية الدينية، مستحضرا قصة ابني آدم. ففي الأولى يحضر الصراع مع الأب بوصفه رمزا للسلطة والسبق، وفي الثانية يظهر الصراع بين الأخوين بوصفه صورة للمنافسة التي قد تنتهي بإلغاء الآخر. ومن خلال هذين المنظورين يصبح السابق «أبا» في المجال الرمزي، والمجايل «أخا» أو منافسا.
ومن الأفكار اللافتة في الورقة اقتراح تقسيم الشعرية العراقية إلى «حقب»، بدلا من تقسيمها بحسب الأجيال أو العقود. وهي رؤية تنظر إلى الشعر بوصفه حركة متصلة تتفاعل فيها التجارب وتتجاور، لا مراحل مغلقة ينتهي بعضها ليبدأ الآخر. ويجسد الحداد هذه الرؤية بصورة النهر الذي يمر بواحات وجزر، فيأخذ من كل واحدة شيئا، ثم يواصل سيره نحو المصب. فالشعر، في هذه الصورة، لا يمحو ما سبقه، وإنما يحمل آثاره ويضيف إليها.
ومن هنا ينبغي التمييز بين «قتل الأب» والنقد المشروع. فمراجعة السابقين والاختلاف معهم وإعادة قراءة منجزهم جزء من حيوية الثقافة، أما القتل الرمزي فيبدأ حين يتحول الاختلاف إلى إنكار للمنجز أو محاولة لمحو صاحبه من الذاكرة الثقافية. والأمر نفسه ينطبق على «قتل الأخ»؛ فالمنافسة بين المجايلين طبيعية، لكنها تتحول إلى إقصاء حين يصبح حضور الآخر تهديدا للحضور الشخصي.
وتتقاطع هذه الظاهرة، في بعض مسارات الحياة الثقافية العراقية، مع الأدلجة حين تتحول من إطار فكري إلى وسيلة لتصنيف الآخرين واستبعاد المختلف. عندها قد يتقدم الانتماء الفكري أو السياسي أو الجماعي على المنجز، فيصبح الاعتراف مرهونا بالقرب من الجماعة، ويغدو المختلف خارج دائرة القبول.
ولا تعمل الأدلجة وحدها في إنتاج هذا السلوك؛ فقد تتداخل معها دوافع نفسية، كالحاجة إلى الاعتراف، والرغبة في إثبات التفوق، والخوف من المنافسة، والشعور بأن نجاح الآخر ينتقص من المكانة الذاتية. وحين تتضافر هذه الدوافع مع الانغلاق الأيديولوجي، يصبح إقصاء الآخر أسهل من منافسته بالمنجز.
وقد تستعيد هذه الآلية، بصورة غير واعية، شيئا من الوعي القبلي القائم على ثنائية «نحن» و«هم». فالأيديولوجيا، حين تنغلق على ذاتها، قد تعيد إنتاج بعض وظائف العصبية القديمة في صورة حديثة، فتتحول الفكرة أو الحزب أو الجماعة الثقافية إلى إطار للانتماء، ويصبح الخارج عنه موضع شك أو إقصاء.
ومع ذلك، لا يصح اختزال الثقافة العراقية في هذه الظاهرة؛ فالمشهد الثقافي أكثر اتساعا وتنوعا. إنما تكمن أهمية طرح الحداد في أنه يفتح سؤالا يتجاوز وصف الإقصاء إلى البحث في دوافعه وآلياته: لماذا يتحول حضور السابق إلى تهديد؟ ولماذا يصبح نجاح المجايل سببا في محاولة إبعاده بدلا من أن يكون دافعا إلى منافسته بالإنجاز؟
هنا تستعيد صورة النهر دلالتها كاملة؛ فالنهر لا يحتاج إلى محو الواحات والجزر التي مر بها كي يصل إلى مصبه، والشعر لا يحتاج إلى قتل آبائه أو إخوته كي يثبت وجوده. إنما تستمر الثقافة حين تقوم علاقتها بالماضي على الاعتراف والمراجعة، وعلاقتها بالحاضر على الحوار والمنافسة الشريفة.
وفي النهاية، ينبغي أن يكون المنجز لا الانتماء معيار الاعتراف. فوجود الأب لا يلغي الابن، ووجود الأخ لا ينتقص من الأخ، ونجاح الآخر لا يعني خسارتنا. وحين يصبح الاختلاف حوارا، والمنافسة حافزا إلى الإبداع، والاعتراف بالآخر قيمة ثقافية، يتراجع القتل الرمزي، ويتسع المشهد للجميع.

عبدالكريم حنون السعيد

اترك رد