*قراءة تحليلية: العراق بين خطر الانكشاف وفرصة إعادة بناء الدولة* ناجي الغزي

منبر العراق الحر :…..كاتب وباحث سياسي….
لا يمكن النظر إلى العراق بعد الحرب الأمريكية – الإيرانية باعتباره مجرد دولة مجاورة تأثرت بتداعيات صراع لم تكن طرفاً فيه. فالعراق، بحكم موقعه الجغرافي وتركيبته السياسية وارتباطاته الاقتصادية والأمنية، يجد نفسه أمام اختبار تاريخي يتجاوز مسألة التعامل مع آثار حرب عابرة، ليصل إلى سؤال أكثر عمقاً: *هل يستطيع العراق أن يبني دولة قادرة على حماية مصالحها في بيئة إقليمية مضطربة، أم سيبقى ساحة تتقاطع فيها مشاريع الآخرين؟*
الحرب كشفت أن المشكلة العراقية لا تكمن فقط في احتمال تعرض البلاد لتهديد أمني مباشر، وإنما في هشاشة منظومة الأمن الوطني بمفهومها الشامل. فالعراق يعتمد على النفط في تمويل الدولة، وعلى الخليج في جزء أساسي من حركة صادراته، وعلى الخارج في الطاقة والغذاء والتكنولوجيا والاستثمار، كما أن بيئته السياسية والأمنية ما زالت متأثرة بالتوازنات الإقليمية والدولية. وبذلك فإن أي اضطراب كبير في المنطقة يمكن أن يتحول سريعاً من أزمة خارجية إلى أزمة داخلية عراقية.
أول ما ينبغي أن يستخلصه العراق من الحرب هو أن الحياد لا يعني السلبية. فالعراق يستطيع أن ينأى بنفسه عن الصراع العسكري، لكنه لا يستطيع أن ينأى بنفسه عن تداعياته. ومن هنا فإن مفهوم الحياد العراقي المطلوب ليس حياداً بين مصالح متعارضة، وإنما انحياز واضح إلى المصلحة الوطنية العراقية.
وهذا يعني أن بغداد مطالبة بإرسال رسالة سياسية واضحة إلى جميع الأطراف المتصارعة: الأراضي العراقية ليست منصة للهجوم على الآخرين، وليست ساحة لتبادل الرسائل العسكرية، وفي الوقت نفسه فإن العراق لن يسمح بتحويل أمنه وسيادته إلى ورقة تفاوض بين القوى الإقليمية والدولية.
*السلاح والسيادة.. الاختبار الأصعب*
ربما تكون قضية السلاح خارج القرار المركزي للدولة هي أكثر الملفات حساسية في مرحلة ما بعد الحرب. لكن التعامل معها بمنطق المواجهة السياسية قد يزيد الانقسام بدلاً من أن يحل المشكلة. لذلك فإن المدخل الأكثر واقعية هو تحويل القضية من شعار سياسي إلى عملية مؤسساتية تدريجية هدفها النهائي توحيد قرار الحرب والسلم واستخدام القوة داخل مؤسسات الدولة.
فالدولة القوية ليست الدولة التي تلغي مكونات المجتمع، وإنما الدولة التي تجعل القانون هو الإطار الناظم لجميع القوى.
ومن هنا فإن حصر السلاح بقرار الدولة ينبغي ألا يقدم بوصفه استهدافاً لفئة أو مكون، بل باعتباره ضمانة لجميع العراقيين، لأن تعدد مراكز القوة يعني في النهاية تعدد مراكز القرار، وتعدد مراكز القرار يضعف قدرة الدولة على حماية مواطنيها وسيادتها وعلاقاتها الخارجية.
*كردستان.. جزء من المعادلة الوطنية*
ومن الأخطاء الاستراتيجية التعامل مع أمن إقليم كردستان باعتباره ملفاً منفصلاً عن الأمن العراقي. فالإقليم يمثل مساحة اقتصادية وأمنية مهمة، ويضم منشآت للطاقة والاستثمار والبنية التحتية، كما أن أي اضطراب أمني فيه سينعكس على الاقتصاد العراقي وعلى ثقة المستثمرين وعلى علاقة العراق بمحيطه الدولي. لذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى انتقال العلاقة بين بغداد وأربيل من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمن وطني مشتركة، تقوم على التنسيق الاستخباري والدفاعي وحماية المنشآت الاستراتيجية، وصولاً إلى بناء قدرات عراقية موحدة في الدفاع الجوي وحماية الأجواء.
*الاقتصاد.. الأزمة كشفت نقطة الضعف الأكبر*
إذا كان الأمن هو الوجه الأول للأزمة، فإن الاقتصاد هو الوجه الأكثر خطورة على المدى الطويل. العراق يمتلك مورداً هائلاً هو النفط، لكن المشكلة ليست في امتلاك النفط، وإنما في تحول النفط إلى المصدر شبه الأساسي لتمويل الدولة. ولهذا فإن ارتفاع أسعار النفط الناتج عن الأزمات الدولية قد يبدو مكسباً مؤقتاً، لكنه لا يمثل بالضرورة مكسباً استراتيجياً. فالإيرادات الإضافية التي تأتي من الحرب يمكن أن تختفي بانتهائها، بينما تبقى الدولة أمام فاتورة رواتب ونفقات متزايدة.
القرار الاستراتيجي الصحيح هو تحويل أي إيرادات استثنائية إلى أصول اقتصادية دائمة مثل: قطاع النقل وسكك الحديد، والموانئ، والطاقة، والغاز، والصناعة، والزراعة، ومناطق لوجستية اخرى، وبنية تحتية، وتكنولوجيا.
أي بمعنى، ينبغي على العراق ألا ينفق عائدات الأزمة بنفقات غير منتجة، بل أن يستثمرها في تقليل احتمالات أزماته المستقبلية.
*طريق التنمية.. من مشروع اقتصادي إلى مشروع سيادي*
تكتسب مشاريع النقل والموانئ أهمية تتجاوز الحسابات الاقتصادية التقليدية. فالعراق يمتلك ميزة جغرافية لا يمكن استنساخها: موقعه بين الخليج وتركيا وأوروبا وبين المشرق والبحر المتوسط.
ولهذا فإن “طريق التنمية” يمكن استثماره بشكل صحيح، لكي يتحول إلى أحد أهم أدوات إعادة تعريف الدور العراقي.
فإذا نجح العراق في ربط ميناء الفاو بشبكة سكك حديد ومناطق صناعية ولوجستية وصولاً إلى تركيا، فإنه لن يبني مجرد طريق لنقل البضائع، وإنما يبني شبكة مصالح إقليمية تجعل استقرار العراق مصلحة للآخرين أيضاً. وهنا تكمن إحدى أهم قواعد الأمن الاقتصادي الحديث: *كلما زادت مصالح الدول في استقرار العراق، زادت قدرة العراق على حماية استقراره*.
ومن المهم أيضاً تطوير مسارات بديلة عبر الأردن والبحر الأحمر، لأن الدولة الذكية لا تعتمد على طريق واحد في التجارة والطاقة والنقل.
*الأمن القومي لم يعد عسكرياً فقط*
أظهرت الأزمة أن مفهوم الأمن القومي العراقي يحتاج إلى إعادة تعريف. الأمن القومي في العراق اليوم يعني حماية الغذاء والدواء والطاقة والمياه والعملة والنظام المصرفي والاتصالات بقدر ما يعني حماية الحدود والأجواء.
فالدولة التي تستطيع حماية حدودها لكنها تعجز عن تأمين الغذاء أو الطاقة أو النظام المالي في وقت الأزمة، تظل دولة مكشوفة استراتيجياً. ومن هنا فإن بناء مخزون استراتيجي من السلع الأساسية والطاقة والأدوية ليس ترفاً إدارياً، بل جزء من *عقيدة الأمن الوطني العراقي*.
*الدولار والمصارف.. جبهة أخرى للسيادة*
وقد تكون الجبهة المالية أقل وضوحاً من الجبهة العسكرية، لكنها ربما تكون أكثر تأثيراً على حياة المواطن. العراق مرتبط بالنظام المالي العالمي، وأي خلل في علاقاته المصرفية أو في آليات التحويلات الخارجية يمكن أن ينتقل سريعاً إلى الأسواق والأسعار وسعر الصرف والاستيراد. ولهذا فإن الإصلاح المصرفي لا ينبغي أن يكون مجرد استجابة لضغوط خارجية، بل جزءاً من مشروع بناء دولة اقتصادية حديثة.
المطلوب هو نظام مالي أكثر شفافية، ومصارف قادرة على الامتثال للمعايير الدولية، واقتصاد أقل اعتماداً على النقد، مع مكافحة صارمة لتمويل الأنشطة غير المشروعة. فالسيادة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس فقط بمن يسيطر على الأرض، وإنما أيضاً بمن يملك القدرة على حماية نظامه المالي.

اترك رد