المجانين لا يحتاجون إلى الوقت…د.عبير خالد يحيي

منبر العراق الحر :

في ذلك اليوم، سألتُكَ عن التاريخ.
كنتُ أريد أن أعرف في أيّ الأيام نحن، وكم بقي على موعدٍ لم يعد مهمًا الآن، وأيّ شهرٍ كان يمرّ بنا دون أن

نشعر.
رفعتَ رأسك إلى السماء، وأشرتَ إليها …
قلتَ:” لماذا لا تنظرين إلى التقويم في صفحة السماء؟”
رفعتُ رأسي ..
كانت السماء زرقاء على اتساعها، تتناثر فيها غيمةٌ بيضاء، وطيورٌ صغيرة تعبرها في سربٍ مرتبك، لم أرَ تقويمًا!
نظرتُ إليك..كنتَ تضحك.
قلتَ: “المجانين لا يعرفون الوقت، لأنهم لا يحتاجونه.”
ضحكتُ معك …
كنتُ أظنك تمزح.
كنتَ ترى أشياء كثيرة لا أراها…
تتوقف في منتصف الطريق لتراقب ظلّ شجرة على جدار، وتقول إن الشجرة تبدو في المساء أطول مما هي

عليه في النهار.
كنتَ تعرف أسماء القطط التي لا يعرفها أصحاب البيوت.
تشتري الخبز وتعود بنصفه، لأنك أعطيت النصف الآخر لرجلٍ لم نره من قبل.
وحين أسألك:” لماذا؟”
تقول:” كان جائعًا.”
كنتَ تتحدث إلى المقاعدالفارغة….
إلى النوافذ المغلقة….
إلى الأشجار…..
وأحيانًا إلى الموتى.
وكنتُ أضحك عليكَ…
كنتَ تضحك عليّ.
لم نكن نعرف أيّنا يسخر من الآخر.
كنتُ أظنك ضائعًا…
كنتَ تظنني مستعجلة.
كبرنا.
لا أذكر كيف.
الأشياء الكبيرة لا تحدث دائمًا أمام أعيننا…
ذات صباح نكتشف أن أيدينا أصبحت أكبر.
ذات شتاء تصبح المعاطف القديمة قصيرة.
ذات مرة ننظر في المرآة فلا نجد الطفلة التي كانت تضحك من رجلٍ يقرأ التقويم في السماء.
وأنتَ…
أين ذهبت؟
لا أملك تاريخًا لذلك.
وهذه أكثر الأشياء غرابة.
لا توجد في ذاكرتي لحظة أستطيع أن أقول:
هنا انتهى كل شيء..
لم تقل وداعًا..
لم تختفِ أمامي..
لم أغلق خلفك بابًا.
فقط، في مكانٍ ما بين يومين، لم تعد هناك.
ظللتُ أبحث عنك فترة.
كنتُ أسأل عنك بطريقةٍ لا تكشف كم كنتُ أخاف ألا أجدك….
ثم توقفتُ.
تعبتُ فقط من الانتظار.
تعلمتُ بعدك أشياء كثيرة…
تعلمتُ أن للوقت أسنانًا.
وأن المواعيد الصغيرة يمكن أن تسرق أعمارًا كاملة.
اشتريتُ ساعة…
صرتُ أعرف الأيام…
أحفظ تواريخ الميلاد…
أراقب نهاية الأشهر.
أحسب المسافة بين موعد وآخر.
كنتُ أخشى التأخرعن الأشياء.
عن الناس.
عن نفسي.
أضع المستقبل أمامي كما يضع المسافر حقيبته قرب الباب: جاهزة.
ثقيلة.
ولا أعرف متى سنغادر.
أحيانًا كنتُ أسمعك تضحك؛ فألتفت… لا أحد.
أقول:”لو كنتَ هنا لسخرتَ مني.”
ثم أسكت…
لأني لم أعد أعرف إن كنتُ أقولها لك، أم أقولها للجزء الذي تركتَه فيّ.
ذات مساء، بعد سنوات، رأيتُك! كنتُ أعبر الشارع أمام المقهى القديم.
الشجرة كبرت، الواجهة تغيّرت، حتى الضوء بدا مختلفًا.
لكن الرجل الجالس على الكرسي الحديدي لم يتغير.
عرفتك، لم أفكر…لم أتردد.
عرفتك، كنتَ تنظر إلى السماء.. ثم رفعتَ يدك.. نفس الحركة! كأن السنوات لم تمرّ.
كأن الأمس كان جالسًا هناك ينتظرني!
توقفتُ، كان بيننا شارع..
سنوات..
وأشياء لم أعرف كيف أقولها حتى لنفسي.
عبرتُ ببطء…
وحين وصلتُ إلى الرصيف الآخر، مرّت سيارة بيننا، ثوانٍ فقط، ثم.. لم أجدك.
بقي الكرسي.
بقي المقهى.
بقيت السماء.
أما أنت… فلم تكن هناك.
دخلتُ المقهى، سألتُ الرجل خلف الطاولة:”هل كان هناك شخص يجلس هنا؟”
نظر إلى الكرسي، ثم إليّ، قال:”لا.”
قلتُ:” منذ قليل.”
هزّ رأسه: “كنتُ هنا طوال الوقت.”
خرجت…
لم أعد إلى المكان.
في الليل، وجدتُ ورقة في جيب معطفي..
لم أعرف كيف وصلتَ إليها، كان عليها بخطّكَ:
“ما زلتِ تنظرين إلى الأرض.”
جلستُ طويلًا، مررتُ أصبعي فوق الكتابة، كنتُ أعرف خطَّك، أعرفه أكثر مما أعرف وجوهًا كثيرة، قلبتُ الورقة…
لا شيء.
عدتُ إليها، قرأتُها مرة أخرى، ثم ضحكت، ضحكة قصيرة، خائفة، وضعتها داخل كتاب، لم أخبر أحدًا.
بعدها بدأتُ أراك في أشياء لا تستحق أن يُرى فيها أحد:
في رجلٍ يضحك وحده، في طفلٍ يحدّق طويلًا في السماء، في طائرٍ يحطّ على حافة نافذة ثم يرحل دون سبب،

في جملة تخرج من فمي ولا أعرف من أين جاءت.
حتى حركتُكَ القديمة…
حين أرفع رأسي قليلًا قبل أن أجيب، لم أنتبه إليها إلا ذات مرة أمام المرآة.
توقفتُ..
فعلتُها مرة أخرى، ضحكتُ..ثم لم أضحك.
كان الأمر غريبًا أن أجدك في حركةٍ صغيرة من يدي، غريبًا أكثر أنني لم أعد أعرف هل أخذتها منكَ، أم أنك أخذتَها مني.
في أحد الأحلام، عدتَ.
كنتَ جالسًا على الكرسي نفسه، كان شعرك أبيض..
قلتُ لك:” كم مضى؟”
نظرتَ إليّ..
ثم إلى السماء، قلتَ:” لا أعرف.”
قلتُ: “أنا أعرف.”
ابتسمتَ: “وهذا ما أتعبك.”
استيقظتُ، كانت الساعة الثالثة وسبع عشرة دقيقة.
بقيتُ أنظر إليها.. ثم أطفأتها، فتحتُ النافذة، كانت السماء سوداء.
رفعتُ رأسي…
لم يكن هناك تقويم…
لم تكن هناك غيمة…
لم يكن هناك شيء؛ ومع ذلك بقيتُ أنظر.
للمرة الأولى لم أشعر أنني أحتاج إلى أن أعرف.
أحيانًا أفكر أنك متَّ.
وأحيانًا أفكر أنك ما زلتَ حيًّا في مكانٍ ما، تمشي بلا ساعة، وتضحكُ من الذين يركضون خلف أيامهم.
وأحيانًا… أخشى أنك لم تكن موجودًا أصلًا.
وأني كنتُ طفلةً وحيدة، فاخترعتُ لك صوتًا ووجهًا وكرسيًا.
وأنك كنتَ الطريقة التي وجدتُ بها شخصًا أستطيع أن أقول له كل شيء.
ثم كبرتُ..
وصار عليّ أن أتوقف عن اختراع الأصدقاء؛ فمضيتَ…وبقيتُ أنا.
لكني حين أقول ذلك، أتذكر: يديك، ضحكتك، طريقتك في النظر إلى السماء.
ولا أعرف من أين جاءت كل هذه التفاصيل إن كنتَ لم تكن؛ لذلك لا أحسم الأمر، أتركك في المنطقة التي أحببتها دائمًا:
بين اليقظة والحلم.
بين الجنون والعقل.
بين ما حدث وما كان يمكن أن يحدث.
الآن، حين يثقل عليّ الوقت، لا أنظر إلى الساعة، أخرج إلى الشرفة، أرفع رأسي، أبحث عن التقويم الذي رأيتَه يومًا ولم أرَه.
أحيانًا تكون السماء غائمة، أحيانًا صافية، أحيانًا تمرّ الطيور، وأحيانًا لا يمرّ شيء.
ومع ذلك أعرف أنك ستضحكُ لو رأيتني، ربما كنتَ تشير إلى السماء منذ البداية، وربما لم تكن تشير إلى شيء.
ربما كنتَ تريد فقط أن ترفّع رأسي عن الأرض، لا أعرف..
لم أعد أسأل…
أرفع رأسي، وأترك يدي معلّقة في الهواء لحظة.. ثم أنزلها… وأمضي…..
تعلّمتُ أخيرًا أن بعض الغياب لا يحتاج إلى تاريخ…
وأن بعض الذين نحبهم لا نعرف متى رحلوا، لأنهم، في اللحظة التي غابوا فيها، كانوا قد صاروا شيئًا آخر..
شيئًا يشبهنا..
شيئًا يمشي معنا..
شيئًا يرفع رأسه، كلما أرهقنا الوقت، وينظر إلى السماء….
ولا يرى تقويمًا.
#دعبيرخالديحيي

اترك رد