وعي الموت وفلسفة الحياة ***ابتهال عبدالوهاب

منبر العراق الحر :
هناك حقيقة واحدة لا يستطيع الإنسان أن يفر منها مهما امتلك من معرفة أو سلطة أو مال أو أحلام: أنه كائن ماض نحو النهاية.
ومن المفارقات العميقة أن الإنسان هو الكائن الذي لا يكتفي بأن يعيش، بل يعيش وهو يعرف أنه سيموت. وربما كان هذا الوعي بالموت أحد أثقل أعباء الوجود الإنساني، لكنه في الوقت نفسه قد يكون أحد أعظم مصادر المعنى فيه.
نحن الكائن الوحيد الذي لا يعيش حياته فحسب، وإنما يعيش وهو يعرف أنه يعيش نحو النهاية. وهذه المعرفة، على قسوتها، هي واحدة من أعظم امتيازات الوعي الإنساني وأكثرها إيلاما في الوقت نفسه.
فالإنسان لا يخاف الموت لأنه مجهول فحسب، بل لأنه يكشف له فجأة هشاشة كل ما ظنه ثابتا: الجسد الذي وثق به، والأحلام التي أجلها، والمواعيد التي افترض أنها ستأتي، والأشياء التي قال لنفسه إنه سيعيش من أجلها ذات يوم.
الموت لا يهدد وجودنا فقط، وإنما يهدد أوهامنا أيضا؛ وهم الاستمرار، ووهم التأجيل، ووهم أن أمامنا دائما وقتا آخر يمكن أن نبدأ فيه الحياة التي نريدها.
ولهذا لم يكن غريبا أن يصبح الموت واحدا من أقدم الأسئلة الفلسفية وأكثرها إلحاحا. فالفلسفة، في أحد وجوهها العميقة، ليست سوى محاولة الإنسان أن يفهم ماذا يعني أن يكون موجودا، وهو يعلم أن وجوده مؤقت.
لقد أدرك مارتن هايدجر أن الإنسان لا يستطيع أن يبلغ ذاته الأصيلة ما لم يواجه حقيقة موته. فالموت عنده ليس مجرد حادث يقع في نهاية الحياة، وليس واقعة بيولوجية تخص الجسد وحده، وإنما هو إمكانية وجودية ملازمة للإنسان منذ لحظة وجوده. نحن لا نمضي ببساطة نحو الموت؛ نحن كائنات وجودها نفسه يحمل إمكانية الفناء.
ومن هنا يصبح الوعي بالموت تجربة كاشفة. إنه ينتزع الإنسان من ضجيج الحياة اليومية، من تلك الحالة التي يذوب فيها الفرد في الجماعة، ويعيش كما “يعيش الناس”، ويفكر كما “يفكر الناس”، ويرغب فيما يرغبه الآخرون، ويقيس نجاحه بمقاييس لم يخترها بنفسه.
الموت يقول للإنسان، في صمت قاس: هذه حياتك أنت، ولن يعيشها أحد نيابة عنك، ولن يموت أحد موتك بدلا منك.
وهنا تحديدا تكمن فردانية الموت.
إن إدراك حتمية الموت لا يجعل الإنسان أكثر خوفا بالضرورة، بل قد يجعله أكثر تحررا. حين يدرك أن الزمن محدود، يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم سنة سأعيش؟ وإنما: ماذا سأفعل بالسنوات التي أملكها؟
وهذا التحول من سؤال الكم إلى سؤال المعنى هو أحد أهم التحولات التي يمكن أن يحدثها الوعي بالموت في النفس الإنسانية.
فالإنسان الذي يظن أن أمامه زمنا لا نهائيا يستطيع أن يؤجل كل شيء: الحب، والاعتذار، والمشروع، والقراءة، والسفر، والكتابة، وحتى أن يصبح نفسه. أما الإنسان الذي يستيقظ على محدودية الزمن، فإنه يبدأ في إعادة ترتيب الأشياء. فجأة تصبح بعض المعارك صغيرة، وبعض الخصومات سخيفة، وبعض المخاوف بلا قيمة، وبعض الأشخاص أقل أهمية مما كان يتصور، بينما تصبح لحظة صادقة مع من نحب أكثر قيمة من سنوات كاملة قضيناها في مطاردة ما لا يستحق.
لهذا يقول ستيف جوبز:
«فكرة أنني سأموت قريبا هي أهم أداة واجهتها على الإطلاق لمساعدتي على اتخاذ الخيارات الكبيرة في الحياة.»
إنها عبارة تختصر فلسفة كاملة.
فالموت هنا ليس نقيضا للحياة، بل معيارا لها. إنه الميزان الذي نضع عليه اختياراتنا فنكتشف فجأة ما يستحق وما لا يستحق.
حين تعرف أنك لن تعيش إلى الأبد، تسأل نفسك : هل أريد حقا أن أقضي سنواتي المحدودة في إرضاء الآخرين؟ هل أريد أن أعيش حياة صممها المجتمع لي؟
هل أريد أن أظل أسيرا للخوف؟
هل أريد أن أستهلك وجودي في صراعات لا معنى لها؟ هل أريد أن أؤجل أحلامي إلى مستقبل قد لا يأتي؟
إن الموت لا يمنحنا إجابات جاهزة، لكنه يجبرنا على طرح هذه الأسئلة
واعتقد ان الإنسان، في جانب كبير من حياته، يحاول أن يهرب من وعيه بفنائه. يبني المشروعات، ويبحث عن الاعتراف، ويطلب الخلود الرمزي، ويتشبث بالسلطة والمال والشهرة والإنجاز، وكأنه يحاول بطريقة أو بأخرى أن يقنع نفسه بأنه قادر على تجاوز حدود وجوده الفردي.
نحن لا نريد فقط أن نعيش؛ نريد أن نترك أثرا يقول إننا كنا هنا.
ومن هذه الزاوية يصبح كثيرا من النشاط الإنساني محاولة رمزية لمقاومة العدم. الكاتب يكتب كي لا يصمت تماما، والفنان يرسم كي يترك شيئا منه بعد غيابه، والعالم يكتشف كي يضيف معرفة تتجاوز عمره، والأم تنظر إلى أبنائها وكأن جزءا منها سيواصل الحياة من خلالهم، والإنسان يبني بيتا ومؤسسة وكتابا وذكرى، وكأنه يكتب رسالة صغيرة في وجه الزمن: لقد مررت من هنا.
لكن المفارقة أن محاولة الهروب من الموت قد تجعلنا ننسى الحياة.
وهنا تكمن المأساة.
قد نقضي أعمارنا كلها في جمع الأشياء التي لن نستطيع أخذها معنا، وفي بناء صورة اجتماعية لا تشبه حقيقتنا، وفي السعي إلى إعجاب أشخاص قد لا يتذكرون أسماءنا بعد سنوات، وفي تأجيل الفرح إلى موعد مجهول، ثم نكتشف متأخرين أننا كنا منشغلين جدا بإعداد الحياة لكي نعيشها.
إن أخطر أشكال إنكار الموت ليس أن نقول: “لن أموت”، فهذا وهم ساذج، وإنما أن نتصرف طوال الوقت كما لو أننا لن نموت.
نحن نعرف الحقيقة عقليا، لكننا نعيش ضدها وجوديا.
نعرف أن الوقت ينقص، ومع ذلك نتصرف كأنه فائض. نعرف أن الذين نحبهم راحلون، ومع ذلك نؤجل الكلمات الجميلة. نعرف أن أعمارنا محدودة، ومع ذلك نهدرها في أشياء لا تستحق. نعرف أن النهاية مؤكدة، ومع ذلك نعيش وكأن التأجيل حق مكتسب.
وهنا يأتي شوبنهاور ليضع يده على الجرح الفلسفي القديم حين يرى أن معرفة الموت والتفكير في الألم وبؤس الحياة من أقوى الدوافع إلى التفلسف والتفكير في الوجود.
فالفلسفة تبدأ، في كثير من الأحيان، عندما تتوقف الأشياء عن كونها بديهية.
حين نكون منشغلين بالحياة اليومية، نعيش ببساطة. نذهب، ونعود، ونأكل، ونعمل، ونحب، ونكره، ونخطط للغد. لكن لحظة واحدة من التأمل في الموت تستطيع أن تشق هذا الاعتياد كله، وأن تجعل السؤال يخرج من قلب الصمت:
لماذا أنا هنا؟
ومن هذا السؤال تبدأ الفلسفة.
ليس لأن الفيلسوف أكثر خوفا من الموت، وإنما لأنه يرفض أن يمر أمام حقيقة الموت دون أن يسأل عن معنى الحياة.
إن الموت هو السؤال الذي لا يستطيع الإنسان إسكاتَه إلى الأبد.
وقد يكون القلق الذي يولده إدراك الموت مؤلما، لكنه ليس بالضرورة مرضا ينبغي التخلص منه. ثمة قلق يكشف، وثمة قلق يوقظ، وثمة قلق ينتشل الإنسان من نومه الوجودي.
قد يولد الإنسان في أسرة لم يخترها، وفي مجتمع لم يختر قوانينه، وفي زمن لم يختر شروطه، وقد يرث كثيرا من الأفكار والقيم والتصورات قبل أن يمتلك القدرة على نقدها. لكنه يظل قادرا على أن يسأل: هل أريد أن أكون هذا الشخص؟
وهنا يصبح الموت حليفا للحرية.
فحين أعرف أن الزمن الذي أملكه محدود، يصبح من العبث أن أعيش عمرا كاملا في سجن الخوف من أحكام الآخرين.
كم من إنسان عاش حياته وهو يخشى أن يقول ما يؤمن به، أو أن يحب من يحب، أو أن يختار طريقا مختلفا، أو أن يبدأ مشروعا يحلم به، أو أن يخرج من علاقة تستنزفه، أو أن يرفض حياة لا تشبهه، لأنه كان يخشى كلام الناس!
ثم يأتي الموت في النهاية ليكشف المفارقة المريرة:
لقد خسر حياته خوفا من رأي أشخاص سيموتون هم أيضا.
وهذه ربما واحدة من أكثر المفارقات قسوة في الوجود.
إن الموت يسقط الأقنعة.
أمام الموت لا يعود للرتب الاجتماعية ذلك البريق الذي كنا نتصوره، ولا للثروة معناها المطلق، ولا للخصومات وزنها، ولا للمظاهر سلطتها. يصبح الإنسان عاريا أمام السؤال الأساسي: ماذا فعلت بوجودك؟
ولهذا فإن التفكير في الموت لا ينبغي أن يقود بالضرورة إلى التشاؤم، بل يمكن أن يقود إلى نوع أكثر نضجا من محبة الحياة.
فمن يعرف أن الوردة ستذبل لا يحتقر جمالها؛ بل ربما يراها أكثر جمالا لأنها مؤقتة.
ومن يعرف أن الغروب لن يتكرر بالطريقة نفسها، ينظر إليه بعين مختلفة.
ومن يعرف أن الأشخاص الذين يحبهم لن يكونوا معه إلى الأبد، يصبح حضوره معهم أكثر امتلاء.
إن محدودية الأشياء ليست دائما سببا لاحتقارها؛ أحيانا هي التي تمنحها قيمتها.
لو كانت الحياة أبدية، ربما فقدت اللحظة معناها. ولو كان الوقت لا ينفد، لما كان للاختيار ذلك الثقل الأخلاقي. إن قيمة اللحظة تنبع جزئيا من أنها لا تعود.
الحياة ثمينة لأنها قابلة للفقد.
والحب عظيم لأنه معرض للغياب.
واللقاء جميل لأنه قد يكون الأخير.
والوقت ثمين لأنه لا يمكن تخزينه.
ومن هنا فإن الوعي بالموت يمكن أن يعيد للإنسان حاسة الدهشة التي تقتلها العادة.
أن تستيقظ صباحا وأنت تعرف أنك ما زلت هنا.
أن ترى وجه أم أو أب أو صديق أو حبيب وتدرك أن هذه الوجوه ليست أبدية.
أن تجلس مع إنسان تحبه دون أن تكون مشغولا بهاتفك، لأنك تعرف أن لحظة كهذه لن تتكرر بالضرورة.
أن تقرأ كتابا لأنك تريد أن تفهم، لا لأنك تريد أن تبدو مثقفا.
أن تكتب لأن لديك شيئا حقيقيا تريد قوله، لا لأنك تريد تصفيقا.
أن تحب دون أن تحول الحب إلى امتلاك.
أن تسامح حين يكون التسامح ممكنا.
أن تعتذر قبل فوات الأوان.
أن تقول أحبك. قبل أن يصبح الصمت هو اللغة الوحيدة المتاحة.
كل ذلك يمكن أن يكون ثمرة للوعي بالموت.
لكن ثمة فارقا جوهريا بين أن نعيش تحت سلطة الموت وأن نعيش بوعي الموت.
الأول يحول الحياة إلى خوف دائم، والثاني يحولها إلى مسؤولية.
الأول يجعل الإنسان يراقب النهاية فيفقد الحاضر، والثاني يجعله أكثر حضورا في اللحظة.
الأول قد يقود إلى العدمية، والثاني يمكن أن يقود إلى المعنى.
ولذلك ليست الحكمة أن نفكر في الموت طوال الوقت، وإنما أن نسمح لحقيقة الموت أن تغير الطريقة التي نعيش بها.
ليس المطلوب أن نمشي في الحياة حاملين جنازتنا على أكتافنا، ولا أن نحول كل لحظة إلى مأتم فلسفي. المطلوب فقط أن نتذكر، وسط هذا الضجيج كله، أن الوقت ليس ملكا لنا بالكامل.
نحن عابرون.
وهذه ليست إهانة للإنسان، بل دعوة إلى أن يجعل عبوره جديرا بأن يعاش.
ربما لا يستطيع الإنسان أن يهزم الموت، لكنه يستطيع أن يهزم الحياة التي لا معنى لها.
وهذا هو الانتصار الأكثر واقعية.
فالخلود الجسدي ليس في متناول الإنسان، لكن ثمة أشكالا أخرى من الخلود: كلمة طيبة، أثر معرفي، موقف إنساني، كتاب، فكرة، حب، إنسان ساعدناه ذات يوم، أو ذاكرة جميلة تركناها في قلب شخص.
ربما لا نستطيع أن نمنع الزمن من محونا، لكن يمكننا أن نترك في الزمن شيئا من أثرنا.
لن اقول
متى سأموت؟
بل:
كيف سأعيش ما تبقى لي قبل أن أموت؟
فالموت لا يمنح الحياة معناها لأنه نهايتها فقط، وإنما لأنه يضع لها حدودا. والحدود ليست دائما سجنا؛ أحيانا هي التي تمنح الشكل للوجود.
مثل لوحة لا يمكن أن تمتد ألوانها إلى ما لا نهاية، ومثل قصيدة لا تستطيع أن تستمر بلا نهاية، ومثل موسيقى لا تصبح موسيقى إلا لأنها تبدأ وتنتهي، كذلك الحياة.
إن نهايتها ليست بالضرورة نقيض معناها؛ ربما كانت، على نحو ما، شرطا من شروط هذا المعنى.
ولعل أعمق ما يمكن أن نتعلمه من الموت هو ألا ننتظر الموت كي نكتشف أننا كنا نعيش.
أن ننتبه قبل فوات الآوان
أن نحب قبل أن يصبح الحب ذكرى.
أن نختار قبل أن تتحول اختياراتنا إلى ندم.
أن نكون أنفسنا قبل أن ينتهي الوقت.
لن نسأل : كيف نهزم الموت؟
بل كيف نعيش بحيث لا يكون الموت هو الدليل الوحيد على أننا كنا أحياء.
وحين يدرك الإنسان أن النهاية مؤكدة، يصبح كل يوم لا تعاش فيه حياته الحقيقية يوما لا يمكن استعادته. عندها فقط يتحول الموت من عدو يقف في آخر الطريق إلى مرآة تقف أمامنا طوال الطريق، وتقول لنا في هدوء: الوقت يمضي… فكن أنت، وعش حياتك قبل أن تصبح حياتك مجرد ماضي
ربما لا نستطيع أن نهزم الموت، لكننا نستطيع أن نهزم الحياة التي لم نعشها كما ينبغي. فالموت، في نهاية الأمر، ليس أكثر من تذكير صامت بأن الوقت يمضي، وأن أجمل ما يمكن أن نفعله قبل أن نغادر، أن نكون قد عشنا حقا.
ابتهال عبدالوهاب

اترك رد