منبر العراق الحر :
ليس الحزن في الشعر العراقي انفعالًا عابرًا، ولا موضوعًا اختاره الشعراء للتفنن فيه، بل هو بنية شعورية تكوّنت من تفاعل الإنسان العراقي مع تاريخه وبيئته وموروثه الديني والاجتماعي. ولذلك لا يمكن ردّه إلى عامل واحد؛ فهو حصيلة روافد متضافرة جعلته راسخًا في الذاكرة الجمعية، ثم وجد في الشعر لغته الأعمق والأبلغ.
تبدأ هذه الحساسية منذ الطفولة؛ ففي كثير من البيئات العراقية يفتح الطفل عينيه على أصوات الأمهات وهن يرددن أهازيج وأناشيد مشبعة بالشجن، تستحضر الفقد والغياب والحاجة والموت. وقد لا يعي الطفل معانيها، لكن نبراتها تستقر في ذاكرته العاطفية، فيتعرّف إلى الحزن من خلال الصوت قبل أن يعرفه من خلال التجربة.
وعُرف المجتمع العراقي، ولا سيما في بيئاته الشعبية والريفية، بالنعي على الميت خلال أيام مجلس عزائه، من خلال أهازيج الرجال وهوساتهم في بعض البيئات، أو مراثي النساء الشجية. ولا يقتصر النعي على إعلان الحزن، بل يستعيد صفات الراحل ومواقفه وصلاته بأهله، ضمن أداء شفهي تتداخل فيه الكلمة والإيقاع والصوت والدمعة، فتنتقل أصداؤه إلى الشعر.
وكان للمراثي الحسينية وأطوار أدائها أثر عميق في الوجدان العراقي، بما تحمله من صور الفقد والعطش والغربة والتضحية. ولم يبقَ أثرها محصورًا في الرثاء الديني؛ إذ غدت واقعة الطف في الوعي الشعري رمزًا متجددًا للصراع بين الحق والباطل، والحرية والاستبداد، والضحية والجلاد. وهكذا تحوّل الحزن الحسيني إلى طاقة وجدانية وأخلاقية يحتج بها الشاعر على مآسي عصره.
كما أسهم الغناء العراقي الحزين، ولا سيما الغناء الريفي والجنوبي، في تشكيل الذائقة الشعرية. فقد حملت الأطوار الشجية والمواويل أصوات الفراق والحنين والشكوى، حتى بدا صوت المغني كأنه يبحث بين طبقاته عن غائب أو زمن لن يعود. وكانت العلاقة بين الشعر والغناء متبادلة؛ أخذ الشعر من الغناء نبرته وإيقاعه الوجداني، وأخذ الغناء من الشعر لغته وصوره، فغدا بعض الغناء قصيدة تنزف بصوت.
وتجلّى هذا الحزن بوضوح في الأبوذية والدارمي، وهما من أبرز فنون الشعر الشعبي العراقي. فقد أتاحت الأبوذية، بما تقوم عليه من تكثيف لغوي وجناس وقفل ذي نبرة شجية، للشاعر أن يعبّر عن الفراق والحرمان والفقد بعبارات قليلة عميقة الأثر. أما الدارمي، وهو بيت شعري قصير يتكوّن من شطرين، فقد اختزل تجارب الحب والانتظار والخيبة والغياب، ورددته النساء والرجال حتى أصبح سجلًا وجدانيًا للحياة اليومية. وبذلك لم يكن الحزن حكرًا على القصيدة الفصيحة، بل عاش في الأبوذية والدارمي والموال والنعي، وانتقل شفهيًا بين الأجيال.
ولا يمكن إغفال ما تعرضت له المرأة العراقية، في مراحل وبيئات مختلفة، من ظلم واضطهاد بسبب بعض الأعراف العشائرية والعادات الاجتماعية؛ مثل النهوة التي تسلبها حق اختيار الزوج، والفصلية التي تجعلها وسيلة لتعويض الخصوم وتسوية النزاعات، وما يسمى جرائم الشرف التي تُرتكب بذريعة الدفاع عن شرف العائلة. وقد فرضت هذه الممارسات على المرأة الحرمان والكبت والخوف، وانعكست في أشعار النساء، ولا سيما الدارمي والأهازيج والمراثي، فعبّرن بلغة مكثفة عن الزواج القسري والفراق والانتظار والخذلان وفقد الأبناء والأزواج. كما حضرت معاناتها في أشعار الرجال، فظهرت المرأة المحرومة والأم الثكلى والأرملة رموزًا للألم والصبر. وهكذا أصبح حزن المرأة رافدًا أساسيًا من روافد الحزن في الشعر العراقي، وانتقل من تجربة فردية مكتومة إلى تعبير عن ظلم اجتماعي أصاب المرأة والمجتمع معًا.
ويقف تاريخ العراق، بما شهده من حروب وقتل وسجون وتهجير وفقر وفاقة وحرمان، وراء جانب كبير من هذا الحزن. وقد تشابه ماضيه البعيد مع حاضره القريب في بطش السلطات، والصراع على الأرض والثروة، والحروب والفيضانات وظلم الإقطاع. وكانت صور الألم تتبدل، لكن جوهر المعاناة ظل يتكرر، حتى بدا التاريخ كأنه يعيد إنتاج المأساة بأسماء ووجوه مختلفة.
كما وسّعت النزاعات العشائرية، حين ضعفت سلطة القانون وتغلبت العصبية، دوائر الثأر والفقد؛ فسقط القتلى والجرحى، وتكاثرت مجالس العزاء، وترسخت صور الضحايا والثكالى في الذاكرة والقصيدة. ولا يعني ذلك أن العشيرة مصدر دائم للعنف؛ فقد أدت أدوارًا اجتماعية متعددة، وإنما تكمن الخطورة في تحوّل العصبية والسلاح إلى بديلين عن الدولة والقانون.
وللبيئة المائية في جنوب العراق أثرها أيضًا؛ فالأهوار والأنهار والجداول، على ما تمنحه من حياة ورزق وجمال، شهدت عبر تاريخها الطويل حوادث غرق أودت بحياة أعداد كبيرة من الأطفال والشباب. وهكذا أصبح الماء في المخيال الجنوبي مزدوج الدلالة: يهب الحياة، وقد ينقلب في لحظة مصدرًا للموت. وتستدعي هذه الصورة، على المستوى الرمزي، ذاكرة طوفانات بلاد الرافدين القديمة، كما تجلّت في القصص السومرية والبابلية وملحمة جلجامش، حيث اقترنت قوة الماء بالخوف من الفناء والرغبة في النجاة.
ويتجلى رسوخ الحزن كذلك في حرص عائلات عراقية كثيرة على زيارة قبور موتاها في الأعياد والمناسبات الدينية، وكأن الفرح لا يكتمل إلا إذا مرّ أولًا بذاكرة الفقد. هناك يتجاور العيد والمقبرة، والابتسامة والدمعة، والحضور والغياب؛ فقد بدت الأفراح في التجربة العراقية قصيرة وعابرة، بينما ظلت الأحزان متجددة وطويلة الإقامة.
لذلك بدا الشعراء العراقيون كأنهم يتنافسون في اكتشاف الطبقات الأعمق للحزن والتعبير عنها بأبلغ الصور. وليس المقصود تنافسًا متعمدًا في مضاعفة الأسى، بل تفاوتًا في القدرة على تحويل الألم إلى تجربة جمالية وإنسانية. فهم لا يكتبون حزنهم الفردي وحده، بل حزن الأم الثكلى، والسجين، والمهجّر، والفقير، والغريق، والمرأة المحرومة.
ومع ذلك، لا ينبغي اختزال الشعر العراقي كله في الحزن؛ فقد عرف الحب والفرح والسخرية والأمل والمقاومة. لكن كثافة المآسي جعلت الحزن أشد التصاقًا بذاكرته، لا بوصفه بكاءً أو استسلامًا، بل وعيًا بالمأساة، واحتجاجًا على أسبابها، وحفظًا لأصوات ضحاياها، ومقاومةً للنسيان.
وهكذا كان الحزن العراقي حزنًا جميلًا، لا لأن الألم جميل في ذاته، ولا لأن المعاناة تستحق التمجيد، بل لأن الشاعر استطاع أن يحوّل قسوتها إلى لغة وصور وإيقاعات توقظ الوعي وتحفظ ذاكرة الضحايا. لقد منح العراقي حزنه صوتًا، وصاغ من دموعه أغنية، ومن فجيعته قصيدة؛ فغدا الحزن في شعره جمالًا مولودًا من رحم الألم، واحتجاجًا على الظلم، ومقاومةً للنسيان. ولم يكن جمال الحزن العراقي في الجرح نفسه، بل في قدرة الروح العراقية على أن تصنع من الجرح معنى، ومن العتمة بقعة ضوء.
عبدالكريم حنون السعيد
منبر العراق الحر منبر العراق الحر