الكاميرا لا ترانا ——— سوزان ابراهيم

منبر العراق الحر :
الزمانُ: مساءٌ شتوي. سماءٌ بلا ندمٍ، وغروبٌ كطعنةٍ مؤجلة.
المكانُ: شقةٌ مرتبةٌ تُخفي فوضى داخليّة.
الديكورُ باردٌ، كأنّهُ ديكورُ مشهدِ جريمةٍ لم تُكتشفْ بعد.
الموسيقا: مقطوعةٌ بطيئةٌ من بيتهوفن، يعزفُها تشيللو حيّ.
الموسيقا تمشي كمَنْ يريدُ المغادرةَ وينسى إغلاقَ الباب.
مشهدٌ داخليٌّ-غرفةُ نوم.
إضاءةٌ خافتة، مصباحٌ أصفر. لقطةٌ طويلةٌ ثابتةٌ (60 ثانية).
امرأةٌ تجلسُ أمامَ مرآةٍ كبيرةٍ، ترتدي فستانَ سهرةٍ داكناً.
لا تتكلمُ، لا تبتسمُ،
دونَ مكياجٍ، تمسحُ أحمرَ شفاهٍ وهميّاً، كأنّها تمسحُ قبلةً لم تحدُثْ.
الكاميرا تلاحقُ رجلًا يمشي نحوَ بابٍ مُغلقٍ،
يتوقفُ، لا يطرُقُ،
لا صوتَ سوى أنفاسِهِ.
لَقْطةٌ قريبةٌ ليَدِهِ المرتعشةِ قليلاً.
يبتلعُ الكلماتِ مثلَ حبوبٍ مُهدّئة.
مشهدٌ داخليٌّ-غرفةُ معيشةٍ/ كاميرا مراقبة
شاشةُ المراقبةِ تُظهر مثوىً فارغاً.
لا أحد.
اهتزازُ الستارةِ يوُحي بأنَّ شخصاً كانَ هناكَ واختفى.
الغيابُ تنفسٌ مقطوع.
الكاميرا لا ترانا، لكنّها تعرف.
المشهدُ الأخيرُ-خارجيٌّ/ شارعٌ ليليّ
لقطةُ تتبُّعٍ طويلةٌ بلا قطع.
امرأةٌ تسيرُ وسطَ الحشدِ.
فستانُها يلمعُ تحتَ أضواءِ السيارات.
يدُها على صدرِها.
بقعةُ دمٍ صغيرةٌ تظهر ببطء،
تكبر، ثم تكبر أكثر.
المارّةُ يعبرونَ حولَها.
رجلٌ ينظرُ إلى هاتفِهِ،
آخرُ يُشعلُ سيجارةً،
امرأةٌ تضحكُ في الجهةِ المقابلة.
لا أحدَ يلتفت.
تتابعُ السير.
تقتربُ من حافلةٍ متوقفة.
يحجبُها هيكلُ الحافلةِ للحظة.
وحينَ تتحركُ،
لا تعودُ هناك.
يتلاشى صوتُ التشيللو في طبقةٍ حادّةٍ.
الكاميرا ثابتةٌ على الشارع.
بضعُ أوراقٍ تعبرُ الإسفلت.
ضوءُ إشارةٍ يتبدّلُ
من الأحمرِ إلى الأخضر،
ثم إلى الأحمرِ من جديد.
ولا يحدثُ شيء.
شاشةٌ سوداء.

اترك رد