الدولة الفاشلة (دولة المزرعة) ….د.قيس جرجس

منبر العراق الحر :
أصبح اسم «الدولة» في العصر الحديث، من دون أي صفة تضاف إليه، يحمل دلالات ومعاني كثيرة.
فالدولة، بالمعنى القانوني الحقوقي لا يساوي المعنى السياسي لها في الفكر السياسي الحديث، حيث الدولة ليست مجرد تشكيل أو كيان سياسي يفرض سلطته بالقوة، سواء بانقلاب عسكري أو بثورة، وإنما هي كيان سياسي ومؤسسي يسعى إلى حفظ وحدة المجتمع، وصون حيويته، وحماية الحقوق الطبيعية للناس، والعمل على رعايتهم وازدهارهم.
وما عدا ذلك لا يكون دولة بالمعنى الذي نريده، بقدر ما يكون سلطة متسلطة على مؤسسات الدولة ومقدراتها، تستخدمها لمصلحة جماعة أو فئة أو شخص.
ومن خلال التجارب، يمكن الحديث عن ثلاثة أشكال رئيسية للدولة التي تتحول فيها السلطة إلى غنيمة:
أولًا: دولة المحاصصة الطائفية
وهي الدولة التي تقوم على توزيع السلطات والمناصب ومصالح الدولة بين الطوائف، بحيث تصبح الطوائف ممثلة بزعامات عائلية وأحزاب طائفية تتولى التفاوض على الوظائف والمصالح وتقاسمها بين أقطاب طبقة سياسية، أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها طبقة فاسدة.
وفي هذا النموذج تصبح الدولة فاقدة لجزء كبير من استقلال قرارها وسيادتها، وتتحول مؤسساتها إلى ساحة نفوذ للمرجعيات الدينية والمذهبية، الداخلية والخارجية، وللقوى السياسية المرتبطة بها.
ثانيًا: دولة المحاصصة العائلية
وهي الدولة التي يكون فيها القرار السياسي متمركزًا داخل عائلة حاكمة، أو داخل حزب يمثل العائلة ويعمل تحت عناوين وأقنعة مختلفة، بحيث تصبح مؤسسات الدولة وأجهزتها خاضعة لمركز القرار العائلي، وتتحول الوظائف العامة إلى أدوات لتعزيز النفوذ والولاء.
ثالثًا: دولة المحاصصة الحزبية أو الفصائلية
وهي الدولة التي يجري فيها تقاسم السلطة والنفوذ بين أمناء الحزب وأقطابه، أو بين أمراء الفصائل ومشايخها. وغالبًا ما تكون هذه الدولة شديدة المركزية حول شخص يسمى «القائد»، تتم مبايعته ويُطلب الولاء له، وفي المقابل يجري تقاسم مصالح الدولة ومقدراتها كأنها غنائم بين أصحاب الولاء والنفوذ.
وفي النماذج الثلاثة، تسود الشعارات والوعود، وتكثر الأزمات والخيبات، وتتفاقم معاناة الناس، وتظهر الانفجارات الاجتماعية، وقد تنتهي الأمور إلى العنف والحروب الأهلية.
ونحن اليوم أمام مرحلة انتقالية وواقع مأزوم ومنهار اجتماعيًا واقتصاديًا ووطنيا، تسود فيه ثقافة الانتقام والثأر والانغلاق والإقصاء والانفصال.
ولا شك أن مثل هذه الحالة الاستثنائية تتطلب جهدًا كبيرًا وتضحيات كبيرة من أجل تأسيس مفهوم الدولة وإعادة بناء مؤسساتها، قبل أن تصبح الفوضى واقعًا دائمًا يصعب الخروج منه.
لكن أصحاب القرار أنفسهم منقسمون على أنفسهم بين تيار منفتح يرى في الدولة مشروعًا وطنيًا جامعًا، وتيار منغلق يرى في الدولة غنيمة، أو يراها مشروعًا أيديولوجيًا ودينيًا خاصًا بمذهب، بل وحتى بتيار معين داخل هذا المذهب.
هو تيار : «ليس من أجل هذا خرجنا…»
ويبدو أن هذا التيار يعمل على تحقيق ما يريد من خلال تعطيل الاستقرار والسلم الوطني، بالتلاقي مع تيارات متطرفة داخل طوائف أخرى، تقودها طبقة سياسية فقدت امتيازاتها، وتتحرك وفق أجندات ومصالح لدول مختلفة.
وما يحدث من أحداث يطرح سؤالًا خطيرًا حول موقف السلطة ومراكز القرار: هل هي متواطئة مع هذه التيارات، أم أنها عاجزة عن تعطيل مفاعيلها وضبط قدراتها؟
وفي الحالتين، فإن استمرار هذا الواقع قد يدفع البلاد إلى دورات جديدة من العنف، في وقت لم تتعافَ فيه بعد من آثار دورات العنف السابقة.
لكن السؤال الأهم في هذه المرحلة يتعلق بمفهوم الثقة، خصوصًا عندما يقال إن الثقة هي المعيار الذي يُعتمد عليه في اختيار المسؤولين في المرحلة الانتقالية.
الثقة مبررة، ولا بد منها، لكن السؤال هو: على أي أساس تُمنح هذه الثقة؟
هل هي ثقة تقوم على مبايعة الرئيس والولاء له، بحيث يكون المقابل استخدام المناصب والمواقع لتحقيق مصالح شخصية أو سياسية؟
أم أن الثقة يجب أن تُمنح على أساس الإمكانات والخبرات والكفاءة والنزاهة والأخلاق، وعلى أساس القدرة على بناء مؤسسات دولة تقوم على مشروع وطني جامع، وتنقذ الناس من الفقر والجهل والضياع؟
هنا فقط تصبح للثقة قيمة ومعنى، خصوصًا في ظل غياب مؤسسات الدولة القادرة على إنتاج المسؤولين واختيارهم وفق معايير واضحة.
أما إذا تحولت الثقة إلى مجرد ولاء ومبايعة، فنحن لا نفعل سوى الدوران في الكذبة والسياسة نفسها التي دمرت البلاد: سياسة العصا والجزرة؛ العصا لمن عصى، والجزرة لمن بايع.
والدولة لا تُبنى بالبيعة، ولا بالولاء للأشخاص، ولا بتقاسم الغنائم، وإنما تُبنى بالمؤسسات، وبالمواطنة، وبالكفاءة، وبالعدالة، وباعتبار الدولة ملكًا لجميع أبنائها لا ملكًا لمن يملك السلطة عليها.

اترك رد