«ثنائية ترامب ونتنياهو» «القوة تجمعهما… والمفاوضات تفرقهما»…الدكتور ثائر العجيلي

منبر العراق الحر :….باحث في الشأن السياسي والاستراتيجي…

1. التوافق على القوة لا يعني وحدة الأهداف

ثمة فرق استراتيجي بين اتفاق الولايات المتحدة وإسرائيل على استخدام القوة ضد إيران، وبين اتفاقهما على المصير السياسي للنظام الإيراني. فالتوافق العسكري قد يجمع طرفين تختلف حساباتهما بشأن النتائج النهائية للحرب، وهو ما تطرحه هذه القراءة في العلاقة بين الرئيس دونالد ترامب ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. فالأول يبدو أقرب إلى توظيف القوة لإخضاع النظام الإيراني لشروطه، بينما يتجه الثاني نحو إسقاط النظام نفسه. وبين الإخضاع والإسقاط مسافة استراتيجية هائلة؛ إذ يمكن تحقيق الأول مع بقاء النظام، بينما يتطلب الثاني إنهاء وجوده. ومن هنا فإن وحدة الوسيلة لا تعني بالضرورة وحدة الغاية، وقد يبدأ الاختلاف الحقيقي بين الحليفين عندما تتحول نتائج العمليات العسكرية إلى مفاوضات سياسية حول شروط إنهاء المواجهة.

2. السردية الإسرائيلية: إسقاط النظام

في السردية الإسرائيلية التي نتناولها، يمثل بقاء النظام الإيراني مصدرًا مستمرًا للتهديد، حتى لو تعرض برنامجه النووي وقدراته الصاروخية لضربات عسكرية قاسية. ولذلك فإن إسقاط النظام، وفق هذه القراءة، يتجاوز تعطيل منشآته العسكرية إلى إزالة البنية السياسية التي تنتج التهديد وتعيد بناء أدواته. ومن هنا يمكن تفسير الميل الإسرائيلي إلى استمرار الضغط العسكري، والتحفظ على تسوية تسمح للنظام بالبقاء وإعادة ترتيب قدراته. غير أن هذا التوجه لا يعني أن إسرائيل تمتلك بالضرورة القدرة على تحقيق تغيير النظام بالقوة وحدها، ولا أن جميع مؤسساتها تتبنى تصورًا واحدًا للنهاية المطلوبة. فإسقاط النظام هدف سياسي مختلف عن تدمير قدراته، وقد تترتب عليه تداعيات داخلية وإقليمية لا يمكن التحكم بها بمجرد التفوق العسكري.

3. السردية الأميركية: إخضاع النظام وإعلان النصر

أما السردية الأميركية، كما تعكسها قراءة سلوك ترامب، فتبدو أقرب إلى البحث عن إخضاع النظام الإيراني لا إسقاطه بالضرورة. فقد بدأت المواجهة تحت عنوان البرنامج النووي، ثم اتسعت أدوات الضغط لتشمل الصواريخ والسلاح العابر للحدود، وسلاح الدولار، ومضيق هرمز والحصار الاقتصادي. غير أن تعدد هذه الملفات لا يلغي احتمال وجود غاية سياسية واحدة تجمعها: «انتزاع تنازل إيراني» يستطيع ترامب تقديمه بوصفه «استسلامًا»، ليعلن من خلاله «النصر». ولو أدى الضغط العسكري إلى سقوط النظام، فقد يُنظر إلى ذلك في واشنطن بوصفه نتيجة إضافية، لكنه ليس بالضرورة شرطًا لتحقيق الهدف الأميركي. فإخضاع النظام القائم قد يوفر لترامب «مشهد النهاية المنتصرة»، دون تحمل التداعيات غير المحسوبة لانهياره.

4. السردية الإيرانية: إخراج ترامب بصورة

«الرجل الفاشل»

في المقابل، لا تقتصر السردية الإيرانية على مقاومة الضغوط الأميركية والإسرائيلية، بل تتجه، وفق هذه القراءة، إلى استهداف صورة الرئيس ترامب السياسية بصورة خاصة. فطهران تراهن على حرمانه من مشهد الانتصار، وتقديمه بوصفه «الرجل الفاشل» الذي استخدم القوة العسكرية والحصار الاقتصادي والتهديدات، لكنه لم يستطع إخضاع النظام الإيراني أو انتزاع اعتراف منه بالهزيمة. وهنا تصبح المحافظة على بقاء النظام ورفض شروط الاستسلام عنصرين أساسيين في تعريف الانتصار الإيراني، حتى لو تكبدت البلاد خسائر عسكرية واقتصادية جسيمة. غير أن هذه الحسابات لا تعني غياب البراغماتية عن القيادة الإيرانية؛ فقد تقبل تسوية تحفظ بقاء النظام وتتيح لها تقديم التنازلات باعتبارها اتفاقًا متبادلًا، لا استسلامًا مفروضًا.

5. التحشيد العسكري: استعداد للحرب أم أداة للتفاوض؟

إن التحشيد العسكري الأميركي والإسرائيلي، مهما اتسع حجمه وارتفعت جاهزيته، لا يعني بالضرورة أن قرار الحرب قد اتُّخذ. فقد يكون التحشيد استعدادًا لتنفيذ عمليات عسكرية فعلية، وقد يكون وسيلة لرفع كلفة الرفض الإيراني وإجبار طهران على إعادة حساباتها التفاوضية. ولذلك فإن قراءة التحركات العسكرية لا ينبغي أن تتوقف عند أعداد الطائرات وحاملات الطائرات أو حجم القوات المنتشرة، بل تتطلب التمييز بين تعزيز القدرة على تنفيذ الحرب وبين صدور القرار السياسي بخوضها. وفي هذه المساحة تحديدًا يظهر الاختلاف المحتمل بين ترامب ونتنياهو؛ فقد يرى الأول في التحشيد وسيلة للحصول على اتفاق يتيح إعلان النصر، بينما يرى الثاني في القوة فرصة لمواصلة الضغط حتى تحقيق تغيير أعمق في النظام الإيراني.

6. معضلة النهاية: ثلاثة انتصارات لا تتطابق

وهكذا تتقاطع ثلاث سرديات مختلفة حول الحرب ونهايتها: نتنياهو يريد «إسقاط النظام الإيراني»، وترامب يريد «إخضاع النظام الإيراني»، والنظام الإيراني يريد إخراج ترامب من المواجهة بصورة «الرجل الفاشل». وهي أهداف لا تتطابق، وإن تقاطعت أدوات تحقيقها في بعض المراحل. ومن هنا يمكن فهم المعادلة التي تحكم العلاقة الأميركية–الإسرائيلية: «القوة تجمعهما… والمفاوضات تفرقهما». فقد يستطيع ترامب إعلان النصر من خلال اتفاق مع النظام الإيراني نفسه، بينما قد يرى نتنياهو في بقاء ذلك النظام دليلًا على أن المواجهة لم تحقق غايتها النهائية. أما إيران فقد تعتبر مجرد بقائها دون إعلان الاستسلام انتصارًا سياسيًا. ولذلك فإن المعضلة ليست في تحديد الطرف الذي يمتلك القوة الأكبر، بل في تحديد الطرف القادر على تحويل نتائج القوة إلى نهاية سياسية مقبولة. «فالحروب قد تبدأ بتوافق على استخدام القوة، لكنها لا تنتهي بالضرورة بتوافق على معنى الانتصار».

 

25 تشرين الأول / أكتوبر 2026

 

اترك رد