منبر العراق الحر :
المقدمة: كيف نطلب من الإنسان أن يكون طبيعياً في عالم غير طبيعي؟
من أعجب مفارقات الوجود الإنساني أن يولد الإنسان في بيئة مختلّة، ويتربّى في ظروف غير عادلة، ويُحرم من أبسط حقوقه، ثم يُطلب منه أن يكون متزناً، سوياً، حكيماً، قادراً على اتخاذ القرارات الصحيحة، وكأنه نشأ في عالم مثالي، لا في عالم ساهم في تشويه وعيه، وإرباك مشاعره، وتقييد إرادته، وتحطيم قدرته على الاختيار…!!
إنها مفارقة تشبه أن نزرع شجرة في أرض مالحة، ونحرمها من الماء والضوء، ثم نقف أمامها غاضبين لأنها لم تُثمر، أو أن نضع إنساناً في غرفة مظلمة، ونطالبه بأن يرى الأشياء بوضوح، ثم نعاقبه لأنه أخطأ في تمييز الطريق…!!
أيُّ منطق هذا الذي يجعل المجتمع شريكاً في صناعة المأساة، ثم يتنصّل من مسؤوليته عنها؟ وأيُّ عدالة هذه التي تتعامى عن الأسباب، وتتشبث بالنتائج، وتحاكم الإنسان على ما انتهى إليه، من دون أن تسأل عمّا أوصله إلى تلك النهاية؟!
إن الاتزان النفسي ليس معجزة تنبت في الفراغ، والاستقامة ليست ثمرة مضمونة في أرض ملوّثة بالظلم، كما أن السلوك الإنساني لا يمكن فهمه بمعزل عن التربية والبيئة والحرمان والجهل والإكراه والتجارب المؤلمة.. , ومع ذلك، يصرّ بعض المجتمعات على محاكمة ضحاياها بمعايير مثالية لم توفر لهم شروطها، وكأن المطلوب من الإنسان أن ينتصر وحده على كل ما اجتمع عليه من عوامل القهر والتشويه.
وهنا تبدأ الحكاية الأكثر مأساوية: مجتمع يصنع الجرح، ثم يلوم المجروح على نزفه؛ يفتح أبواب السقوط، ثم يقف على عتبتها واعظاً؛ ويشارك في صناعة الضحية، ثم يتصدر صفوف المطالبين بمعاقبتها…!!
أولاً: ظاهرة الاتزان في مجتمع غير متوازن
ليس من السهل أن يكون الإنسان متزناً في مجتمع يختل فيه ميزان القيم، وتتناقض فيه الأقوال مع الأفعال، وتُرفع فيه شعارات الفضيلة بينما تُمارَس الرذيلة في الخفاء، وتُقدَّم فيه النصائح الأخلاقية على ألسنة أشخاص لا يلتزمون بما يدعون إليه.
في مثل هذا المجتمع، يصبح الاتزان أشبه بمقاومة يومية لتيار جارف؛ إذ يجد الفرد نفسه محاصراً بين ما ينبغي أن يكون عليه، وما تفرضه عليه ظروفه، وبين المبادئ التي يسمعها والوقائع التي يعيشها، وبين صورة الفضيلة التي يرسمها المجتمع لنفسه وممارساته الفعلية.
كيف يُطلب من الطفل أن ينشأ سليماً في أسرة لا تعرف الحوار، وتستبدل التربية بالقسوة، والتوجيه بالإهانة، والاحتواء بالطرد؟!
وكيف نطلب من الفتاة أن تمتلك وعياً ناضجاً وهي تُنتزع من طفولتها، وتُلقى في زواج لا تفهم أبعاده، ثم تُحمّل مسؤولية قرارات لم تكن تمتلك الأدوات النفسية والمعرفية الكافية لفهمها؟!
وكيف نطلب من الفقير أن يحافظ على توازنه في مجتمع يجعل الكرامة امتيازاً للأغنياء، ومن الجاهل أن يتصرف كالعالم بينما لم يمنحه أحد فرصة للتعلم، ومن المحطّم نفسياً أن يتصرف وكأنه لم يُحطَّم قط؟
ليس معنى ذلك أن الظروف تبرر كل سلوك، أو أن الإنسان يفقد مسؤوليته عن أفعاله بصورة مطلقة؛ فهذه مغالطة أخرى لا تقل خطورة عن إلقاء اللوم على الضحية وحدها.. , إنما المعنى أن الحكم العادل يتطلب فهماً متكاملاً للعلاقة بين الإرادة الفردية والظروف المحيطة، وبين المسؤولية الشخصية والمسؤولية الاجتماعية.
فالإنسان ليس كائناً معزولاً عن بيئته، ولا آلة تتحرك وفق أوامر المجتمع، بل هو كائن يتشكل من خلال تفاعل معقد بين الاستعدادات الفردية والتربية والتجربة والفرص والقيود.
إننا لا نستطيع أن نطالب الإنسان بنتائج تربية لم نمنحه إياها، ولا أن نحاسبه بمعزل عن الظروف التي أسهمت في تشكيل وعيه، ثم نزعم أننا نقيم العدل.
ثانياً: أن تولد إنساناً في ظروف غير طبيعية، ثم تُطالَب بأن تكون طبيعياً؟!
ثمة ظلم لا يبدأ عندما يرتكب الإنسان خطأً، بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، وربما منذ اللحظة التي يأتي فيها إلى الحياة.
يولد طفل في بيئة محرومة من التعليم، فيُحرم من المعرفة.. , وينشأ في أسرة مفككة، فيُحرم من الأمان.. , ويكبر في مجتمع يعامل المرأة باعتبارها ملكية عائلية، فيتعلم أن جسده وقراراته ومصيره ليست ملكاً له.. , ثم يبلغ مرحلة النضج، فيجد نفسه مطالباً بأن يتصرف كإنسان مكتمل الوعي والاستقلال، وكأن سنوات الحرمان لم تترك في داخله ندوباً.
أيُّ تناقض هذا؟
إننا نريد نتائج سليمة من مقدمات فاسدة، وشخصيات مستقرة من طفولات مضطربة، وقرارات حكيمة من عقول لم تُمنح فرصة كافية للتعلم والتفكير، ثم نستغرب حين تتعثر الحياة، وحين يتخذ الإنسان قرارات مؤذية لنفسه أو لغيره.
في علم النفس، تؤثر التجارب المبكرة في تكوين الشخصية، وفي الشعور بالأمان والثقة بالنفس والقدرة على اتخاذ القرار وإقامة العلاقات.. , ولا تعني هذه التأثيرات أن مصير الإنسان محدد سلفاً، لكنها تعني أن بعض الناس يبدأون الحياة بأعباء لم يختروا حملها، بينما يبدأ غيرهم بفرص وحماية وامتيازات واسعة.
ومن هنا تنشأ واحدة من أكثر صور الظلم خفاءً: أن يحظى بعض الناس بظروف تساعدهم على النجاح، ثم ينسبوا نجاحهم إلى فضيلتهم وحدها، وأن يُترك آخرون في ظروف قاسية، ثم يُنسب إخفاقهم إلى فسادهم وحده.
إنها محاكمة غير متكافئة، لأننا نقارن بين أشخاص لم يبدأوا من النقطة نفسها، ولم يمتلكوا الأدوات نفسها، ولم يحظوا بالقدر ذاته من الحماية والفرص.
ومع ذلك، ينبغي ألا يتحول هذا الفهم إلى إعفاء مطلق من المسؤولية؛ فالعدالة لا تتطلب إنكار أثر الظروف، ولا إلغاء إرادة الإنسان، بل تتطلب فهمهما معاً، والتمييز بين من ارتكب الأذى مختاراً، ومن تعرض للاستغلال، ومن اضطر إلى اتخاذ قرار تحت ضغط شديد، ومن افتقر إلى النضج أو المعرفة أو حرية الاختيار.
إن الإنسان قد يخطئ، لكن خطأه لا يمحو تاريخه كله، ولا يمنح المجتمع الحق في تجريده من إنسانيته.
ثالثاً: صناعة الضحية ثم تحويلها إلى متهمة
تبلغ الازدواجية الأخلاقية ذروتها حين يسهم أشخاص في إغواء إنسان أو استغلاله، ثم ينقلبون عليه بعد انكشاف الأمر، فيتبرؤون منه، ويتنكرون لدورهم، ويستخدمون الواقعة نفسها سلاحاً لإذلاله وتحطيمه.
قد يبدأ الأمر باستغلال حاجة عاطفية، أو جهل، أو ضعف، أو ثقة، أو رغبة في القبول والانتماء.. , وقد يستغل شخصٌ موقعه أو علاقته أو سلطته أو معرفة الطرف الآخر المحدودة، حتى يدفعه إلى سلوك لم يكن ليدخله بالطريقة نفسها لو امتلك الوعي أو القدرة على المقاومة أو الحماية.
ثم، عندما تنكشف الحقيقة، تبدأ المسرحية الأخلاقية.
اذ يتنصل المستغِل من مسؤوليته، ويتحول من شريك في الفعل إلى قاضٍ عليه.. , ويقف المتفرجون على مسافة آمنة، يوزعون الأحكام، ويختصرون قصة معقدة في وصف جارح، ويعاملون الإنسان وكأنه وُلد في تلك اللحظة، لا تاريخ له ولا ظروف ولا حقوق.
والأشد قسوة أن يتحول الفعل الذي استُغل فيه الإنسان إلى وصمة عار تلاحقه بقية حياته، بينما يستطيع الطرف الأقوى أن يمحو دوره من الحكاية، أو أن يختبئ خلف مكانته الاجتماعية أو علاقته بالأسرة أو قدرته على فرض روايته.
هنا لا نكون أمام خطأ فردي فحسب، بل أمام منظومة من التواطؤ والتستر وإعادة توزيع الأدوار: يتحول المستغِل إلى صاحب فضيلة، وتتحول الضحية إلى مصدر للعار، ويصبح المجتمع الذي سمح بالاستغلال أو تجاهله هو المرجعية التي تصدر الحكم النهائي.
إن بعض المجتمعات لا تكتفي بصناعة الجرح، بل تصنع أيضاً رواية تنكر فيها مسؤوليتها عن الجرح، وتجعل المجروح هو المتهم الوحيد.
وهذه آلية نفسية واجتماعية خطيرة؛ لأنها تسمح للأفراد والجماعات بحماية صورتهم الأخلاقية من دون مواجهة الحقيقة.. ؛ فبدلاً من الاعتراف بالتقصير، يُلقى العبء كله على الشخص الأضعف.. , وبدلاً من مراجعة التربية والعلاقات وموازين السلطة، يُعاقَب من انكشفت مأساته.
لكن علينا، في المقابل، أن نميز بين الاستغلال الحقيقي وبين كل علاقة أو خطأ فردي؛ فليس كل من أخطأ ضحية بالضرورة، وليس كل من تعرض لانتقاد ضحية للاستغلال… ؛ إنما المعيار هو الوقائع، وحرية الاختيار، ووجود الإكراه أو الخداع أو استغلال الضعف، ومسؤولية كل طرف عن فعله.
فالعدالة لا تقوم على افتراض البراءة المطلقة لشخص والإدانة المطلقة لآخر، وإنما على كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات من دون انتقائية أو تشهير.
رابعاً: المرأة العراقية بين اغتيال الطفولة واغتيال السمعة
لنتأمل حكاية المرأة العراقية التي تبدأ مأساتها بزواج مبكر، وهي لم تتجاوز الثالثة عشرة من عمرها.
طفلة لم تكمل بناء وعيها، ولم تتح لها فرصة كافية للتعلم، ولم تختبر الحياة بما يسمح لها بفهم تعقيداتها، تُنقل من بيت أهلها إلى بيت زوجها، وكأن الانتقال الجغرافي وحده كافٍ لتحويل الطفلة إلى امرأة مكتملة الأهلية النفسية والاجتماعية.
يُنتزع منها حقها في طفولتها، ثم يُطلب منها أن تؤدي أدوار الزوجة الناضجة، وأن تفهم واجبات الزواج وحدوده، وأن تتحمل تبعات قرارات لم تكن تملك بالضرورة القدرة على تقديرها.
ثم يأتي الإهمال، ويتسع الفراغ العاطفي، وتغيب الرعاية، وربما تنعدم المعرفة التي تساعدها على التمييز بين العلاقة السليمة والعلاقة القائمة على الاستغلال.
وفي خضم هذه الظروف، يدخل صديق الزوج إلى الحكاية، مستفيداً من الثقة التي تمنحها له علاقته بزوجها، ومن هشاشة وضع المرأة، ومن نقص الخبرة أو الوعي، إن ثبت أنه تعمد استغلالها أو إغواءها بالخداع.
ثم تنكشف الواقعة… ؛ وفجأة، تختفي الطفلة التي حُرمت من طفولتها، ويختفي الزوج الذي أهمل، ويختفي الصديق الذي يُقال إنه استغل الثقة، وتختفي الأسرة التي لم تنصف ابنتها.. , ولا يبقى في واجهة المشهد سوى امرأة واحدة، تُختزل حياتها كلها في واقعة واحدة، ويُطلب منها أن تدفع ثمنها وحدها.
يطلّ الزوج بصفته المجروح في كرامته، ويقف الأهل في موقع الحراس على السمعة، ويجد المجتمع فرصة جديدة لعرض فضيلته المعلنة، بينما تتراجع الأسئلة الحقيقية إلى الخلف:
من زوّج هذه الطفلة قبل أن تكتمل طفولتها؟
من حرمها من التعليم، ومن الرعاية، ومن الأدوات التي تمكنها من فهم الحياة؟
هل أُهملت؟ وهل تعرضت للخداع أو الاستغلال؟ وما حقيقة ما جرى؟ ومن يتحمل المسؤولية عن كل فعل؟
لماذا يتحول تاريخ المرأة كله إلى محكمة، بينما لا يخضع تاريخ الآخرين للفحص نفسه؟
إن زواج القاصرات والصبايا الصغيرات ، وحرمانهن من التعليم، وغياب الحماية، ليست تفاصيل هامشية في هذه الحكاية، بل هي جزء من السياق الذي ينبغي فحصه لفهم المأساة… ؛ فالطفلة ليست امرأة ناضجة لمجرد أن المجتمع أطلق عليها صفة الزوجة، ولا تصبح ظروفها عادلة لمجرد أن الزواج تم بموافقة الأسرة.
إن الطفولة ليست مرحلة يمكن انتزاعها من الإنسان ثم مطالبته بتعويض المجتمع عنها عبر النضج الفوري وتحمل المسؤوليات المعقدة.
ومع ذلك، لا يجوز أن نفترض، من دون تحقيق، أن كل تفاصيل هذه الرواية او تلك ثابتة، أو أن كل طرف يتحمل المسؤولية نفسها.. , ينبغي التحقق من الوقائع، وتحديد طبيعة الاستغلال إن وقع، وفهم قدرة المرأة على الاختيار، والتمييز بين الأفعال المختلفة ومسؤولية مرتكبيها.
لكن هناك حقيقة أخلاقية لا تحتاج إلى تبرير: لا يجوز أن يكون حرمان الإنسان من حقوقه في طفولته ذريعة لحرمانه من كرامته وحقوقه في بقية حياته.
خامساً: الإعدام الاجتماعي… حين يقتل المجتمع الإنسان قبل أن يصل إلى منصة القضاء
في الحكاية – انفة الذكر – التي نناقشها، لا تنتهي المأساة عند الطلاق، بل تتوالى صور الإقصاء.
تُحرم المرأة من أطفالها، ثم يُغلق أهلها أبوابهم في وجهها، فتجد نفسها في الشارع، بلا مأوى آمن، وبلا شبكة دعم، وبلا فرصة واضحة لاستعادة حياتها.
هنا يصبح السؤال: ماذا يبقى للإنسان حين يفقد بيته، وأطفاله، وعائلته، وسمعته، ومكانه في المجتمع، في وقت واحد؟
إن الإنسان لا يعيش بالخبز وحده، بل يحتاج أيضاً إلى الشعور بالانتماء، وإلى مكان يستطيع أن يعود إليه حين تتعثر حياته، وإلى أشخاص لا يختزلونه في أسوأ لحظاته.
وحين تُسحب هذه العناصر دفعة واحدة، قد تتفاقم مشاعر العار واليأس والعزلة، وقد يرى الشخص المأزوم أن المستقبل قد أُغلق أمامه، وأنه لم يعد يملك وسيلة للخروج من أزمته… , ولا يعني ذلك أن الانتحار نتيجة حتمية لهذه الظروف، بل يعني أن تراكم الخسارات والإقصاء قد يزيد الخطر، خصوصاً في غياب الدعم النفسي والاجتماعي.
وإذا كان ما يُروى عن المرأة – في هذه الحكاية واشباهها – صحيحاً، فإننا أمام سلسلة من الخسارات التي تستحق الفحص الجاد: طفولة لم تُعش، وزواج لم يوفر الحماية، وعلاقة يُقال إنها انطوت على استغلال، وطلاق، وانفصال عن الأطفال، ورفض عائلي، وانسداد في الأفق.
أليس من العبث أن ننتظر من إنسان أن يظل متماسكاً بينما تتداعى ركائز حياته الواحدة تلو الأخرى، ثم نتعامل مع انهياره وكأنه دليل إضافي على فساده؟
إن المجتمع قد لا يضع يده على عنق ضحيته، لكنه يستطيع أن يخنقها بالوصمة، وأن يطردها بالصمت، وأن يدفعها إلى العزلة بالاحتقار، وأن يسلبها المستقبل حين يغلق أمامها أبواب العودة.
وهنا يظهر مفهوم الإعدام الاجتماعي: أن يُحرم الإنسان من فرص الإصلاح والعيش الكريم، وأن يُعامل كأنه انتهى قبل أن تنتهي حياته، وأن يصبح ماضيه حكماً أبدياً لا يمكن تجاوزه.
لكن ينبغي التمييز بين المسؤولية الاجتماعية عن الإقصاء وبين إثبات المسؤولية المباشرة عن الانتحار؛ فهذه الأخيرة تحتاج إلى معرفة الوقائع والظروف الفعلية.. , ومع ذلك، فإن مسؤوليتنا الأخلاقية واضحة: لا يجوز تحويل الوصمة إلى عقوبة غير محدودة، ولا التعامل مع اليأس بوصفه دليلاً على استحقاق صاحبه للعقاب.
سادساً: من صناعة الضحية إلى إعادة إنتاج المأساة
إن المجتمع الذي يكتفي بمعاقبة النتائج، ويتجاهل الأسباب، لا يعالج الظواهر بقدر ما يعيد إنتاجها.
فالطفلة التي تُحرم من التعليم والحماية قد تكبر وهي تفتقر إلى بعض الأدوات التي تساعدها على حماية نفسها.. , والإنسان الذي يتعرض للاستغلال ثم يُترك وحيداً قد يصبح أكثر هشاشة أمام أزمات لاحقة.. , والأسرة التي تختار التشهير والطرد بدلاً من الاحتواء والمحاسبة العادلة قد توسع دائرة الضرر بدلاً من تقليصها.
ثم تأتي الأجيال التالية لتعيش داخل الشروط نفسها، وتتلقى الرسائل الأخلاقية المتناقضة ذاتها، وتتعلم أن السمعة أهم من الإنسان، وأن الاعتراف بالخطأ أخطر من ارتكابه، وأن العقاب ينبغي أن يقع على الطرف الأضعف، لا على من يملك القوة والقدرة على الإفلات.
وهكذا تتحول المأساة إلى دورة اجتماعية: حرمان، ثم هشاشة، ثم استغلال محتمل، ثم وصمة، ثم إقصاء، ثم يأس.
ولا يعني ذلك أن كل من نشأ في ظروف قاسية سيكرر المأساة، أو أن المجتمع هو المسؤول الوحيد عن كل انحراف؛ فالبشر يمتلكون قدرات متفاوتة على المقاومة والتعلم والتغيير، كما أن المسؤولية الفردية تظل قائمة بحسب الفعل وظروفه.. , لكن تجاهل الشروط الاجتماعية التي تزيد احتمالات الأذى يجعل الوقاية مستحيلة تقريباً.
فإذا أردنا تقليل الاستغلال، وجب أن نعلّم أبناءنا وبناتنا معنى الحدود الشخصية، وحرية الاختيار، والموافقة، وحق الإنسان في رفض ما يؤذيه.
وإذا أردنا تقليل المآسي الأسرية، وجب أن نوفر التعليم والحماية للأطفال، وأن نرفض تزويجهم قبل اكتمال أهليتهم، وأن نبني مؤسسات قادرة على التدخل عندما تتعرض سلامتهم للخطر.
وإذا أردنا الحد من الانتحار، فلا يكفي أن نستنكر فعل المنتحر بعد موته؛ بل ينبغي أن نسأل عن الأبواب التي أُغلقت في وجهه، وعن فرص المساعدة التي لم يجدها، وعن الوصمة التي جعلت طلب العون يبدو مستحيلاً.
أما أن نعيد إنتاج الأسباب نفسها، ثم نعلن دهشتنا من النتائج نفسها، فذلك ليس دفاعاً عن الأخلاق، بل عجز عن فهمها.
سابعاً: ازدواجية المعايير… فضيلة في العلن ورذيلة في الخفاء
من أخطر أمراض المجتمعات أن تصبح الأخلاق فيها أداة للسيطرة على الآخرين، لا معياراً لمحاسبة الذات.
فبعض الناس لا ينزعجون من الخطأ لأنه خطأ، بل لأن الخطأ انكشف.. , ولا يغضبون من الاستغلال لأنه انتهاك لكرامة الإنسان، بل لأن الواقعة ألحقت ضرراً بسمعة الأسرة أو الجماعة.. , ولا يطالبون بالعدالة من أجل الحقيقة، بل من أجل استعادة المكانة الاجتماعية.
في هذا المناخ، قد يُدان الفعل ذاته بصورة مختلفة تبعاً لهوية مرتكبه وموقعه الاجتماعي وجنسه وقوته.
ما يُغتفر للرجل قد يصبح وصمة أبدية للمرأة، وما يُعامل بوصفه نزوة عابرة لدى القوي قد يُصوَّر باعتباره فساداً لا يُغتفر لدى الضعيف.. , وقد يحظى المستغِل بالحماية لأنه صاحب نفوذ أو علاقة أو مكانة، بينما تُترك الضحية لمواجهة العواقب وحدها.
إنها ليست أزمة أخلاقية فحسب، بل أزمة في توزيع السلطة وفي تعريف الشرف نفسه.
فالشرف الحقيقي لا يكمن في القدرة على فضح الآخرين، بل في القدرة على منع الظلم، وحماية الضعيف، ومحاسبة القوي، والاعتراف بالخطأ حين يصدر عن الذات أو عن المقربين.
وليس المجتمع شريفاً لمجرد أنه يرفع صوته في إدانة امرأة، كما أن الأسرة لا تثبت نزاهتها بطرد ابنتها، ولا يثبت الزوج كرامته بالتشهير، ولا يثبت المستغِل براءته بمجرد أن يشارك الآخرين في إدانة من استغلها.
إن الأخلاق التي تتشدد مع الضعيف وتتساهل مع القوي ليست أخلاقاً مكتملة، بل سلطة ترتدي ثوب الفضيلة.
والمجتمع الذي يراقب سلوك أفراده من دون أن يراقب سلوكه هو نفسه، يتحول إلى محكمة لا تعرف كيف تحاكم القاضي اذا أخطأ .
ثامناً: هل ندافع عن الخطأ حين ندافع عن الضحية؟
هنا ينبغي أن نتوقف أمام إشكالية فكرية وأخلاقية مهمة.
قد يقول قائل: أليس من الخطأ أن ندافع عن امرأة ارتكبت فعلاً يرفضه المجتمع؟ أليس التساهل مع الأخطاء تشجيعاً على تكرارها؟
والجواب أن الدفاع عن كرامة الإنسان لا يعني بالضرورة تبرئة كل أفعاله، كما أن رفض الفعل لا يعني إباحة إهدار حقوق مرتكبه.
يمكننا أن نناقش سلوكاً ما، وأن نختلف معه أخلاقياً أو قانونياً، وأن نطالب بالتحقق من الوقائع والمساءلة العادلة، من دون أن نلجأ إلى التشهير أو الانتقام أو الحرمان من الحقوق الأساسية.
ويمكننا أن نحمّل شخصاً مسؤولية ما ارتكبه، مع الاعتراف بأن أطرافاً أخرى قد تكون أسهمت في ظروف الواقعة أو استغلت ضعفه أو انتهكت حقوقه.
فالعدالة ليست معادلة صفرية، لا بد فيها من اختيار مذنب واحد وإعفاء الجميع من حوله.. , فقد تتعدد المسؤوليات، وتختلف درجاتها، وتحتاج كل واحدة منها إلى أدلة وفحص مستقل.
كما أن كون الإنسان ضحية في جانب من حياته لا يمنحه حصانة من المساءلة عن أذى قد يسببه للآخرين.. , وبالمثل، فإن ارتكابه خطأً لا يمنح أحداً الحق في استغلاله أو الاعتداء عليه أو حرمانه من حقوقه.
أما في حالة المرأة التي انتهت مأساتها بالانتحار، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: هل نستطيع تبرئة كل ما فعلته؟ بل: هل فحصنا ظروفها وحقوقها، وهل جرى التحقيق في أفعال جميع الأطراف، وهل وفرنا لها فرصة عادلة للحماية والمساعدة والإصلاح؟
المطلوبُ ليس الدفاعَ عن الضحيةِ وكأنها معصومة، بل الاعترافُ بأنَّ سؤالَ “من شيطنها؟” هو السؤالُ الصحيح… ؛ المجتمعُ الذي يُنتجُ الشياطينَ ثم يُعاقبُ ضحاياهم هو مجتمعٌ يُديرُ دورةَ عنفٍ لا تنتهي.
إن الفرق كبير بين مجتمع يريد أن يمنع الخطأ، ومجتمع يريد أن ينتقم من المخطئ… ؛ الأول يبحث عن الحقيقة والوقاية والإصلاح، والثاني يبحث عن جسد يعلّق عليه شعوره الزائف بالطهارة.
تاسعاً: من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر
تستحضر هذه المأساة العبارة الإنجيلية الشهيرة المنسوبة إلى السيد المسيح في رواية المرأة المتهمة بالزنى: «من كان منكم بلا خطيئة فليرمها أولاً بحجر».
ليست قيمة هذه العبارة في أنها تمنح حصانة مطلقة لكل سلوك، ولا في أنها تلغي الحاجة إلى الحقيقة والمساءلة، بل في أنها تضع الغرور الأخلاقي أمام مرآة الذات.
قبل أن ترمي الإنسان بحجر الإدانة، اسأل نفسك: هل عرفت قصته كاملة؟ هل أدركت ظروفه؟ هل أنت خالٍ من الخطأ؟ وهل تريد إصلاح الضرر حقاً، أم تريد أن تشعر بالتفوق الأخلاقي من خلال تحطيم شخص آخر؟
وحين يقول المسيحُ “من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر”، فهو لا يشرّعُ الرجمَ، بل يكشفُ زيفَ من يتصدّرونَ الرجمَ وهم شركاءٌ في الخطيئة.. , المجتمعُ الذي يُطالبُ بإعدامِ الضحيةِ هو مجتمعٌ لا يجرؤُ على النظرِ في مرآته.
إن الحجر ليس دائماً حجراً من صخر؛ فقد يكون كلمة، أو شائعة، أو فضيحة، أو رفضاً عائلياً، أو حكماً قاسياً يُطلق من دون معرفة، أو صمتاً متعمداً حين يحتاج الإنسان إلى من ينصفه.
وما أكثر الذين يرمون الآخرين بالحجارة الرمزية، ثم يعودون إلى حياتهم مطمئنين، غير مدركين أن الكلمة التي أطلقوها قد تستقر في روح إنسان آخر بوصفها دليلاً جديداً على أنه لا يستحق الحياة.
لكن الإنصاف يقتضي أيضاً ألا نحول العبارة إلى وسيلة لإلغاء حقوق المتضررين أو إسكاتهم؛ فمن تعرض للخيانة أو الأذى له الحق في التعبير عن ألمه وطلب الإنصاف.. , وليس المطلوب أن نصمت عن الخطأ، بل أن نواجهه بميزان واحد، وأن نرفض أن يتحول الألم إلى مبرر للظلم، أو أن تتحول الأخلاق إلى غطاء للانتقام.
إن السؤال الحقيقي ليس: من يملك الحق في رمي الحجر؟ بل: كيف نبني مجتمعاً يقل فيه الظلم، وتصبح فيه المحاسبة عادلة، ولا يتحول الخطأ إلى مبرر لإهدار كرامة الإنسان؟
عاشراً: ما الذي كان ينبغي أن يفعله المجتمع؟
إن النقد الذي لا يقترح طريقاً للخروج قد يتحول بدوره إلى نوع من العجز.. , لذلك، فإن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي الانتقال من خطاب الإدانة إلى مشروع اجتماعي وأخلاقي واضح.
أولاً: حماية الطفولة.. , ينبغي أن يكون تعليم الأطفال وسلامتهم ونموهم النفسي والجسدي أولوية لا يجوز التضحية بها من أجل الأعراف أو المصالح العائلية.. , والزواج المبكر الذي يحرم الطفل من التعليم والنمو والأمان يستدعي حماية قانونية واجتماعية جدية.
ثانياً: مواجهة الاستغلال أياً كان مرتكبه.. , لا ينبغي أن تتوقف المساءلة عند الطرف الأضعف، بل يجب التحقيق في الخداع والإكراه واستغلال السلطة والثقة، وتحديد مسؤولية كل طرف وفق الأدلة والوقائع.
ثالثاً: رفض الطرد والتشهير بوصفهما حلولاً.. , قد تختلف الأسرة مع أحد أفرادها، وقد تحتاج إلى وضع حدود واضحة، لكن ذلك لا يبرر التخلي عن إنسان يواجه التشرد أو الخطر، ولا يمنحها حق تحويله إلى هدف للعنف أو الإذلال.
رابعاً: ضمان عدالة الإجراءات.. , لا يجوز إصدار الأحكام استناداً إلى الشائعات أو الانفعالات أو المعايير المزدوجة.. , فكل اتهام يحتاج إلى إثبات، وكل عقوبة تحتاج إلى أساس قانوني عادل، وتظل كرامة الإنسان وحقوقه مصونة.
خامساً: توفير الدعم النفسي والاجتماعي… , عندما تتراكم الخسارات ويشعر الإنسان بأنه محاصر، ينبغي أن يجد خدمات مساعدة حقيقية، وأشخاصاً يستمعون إليه من دون إهانة، ومؤسسات تستطيع التدخل قبل أن تتحول الأزمة إلى مأساة.
سادساً: إعادة تعريف الشرف.. , الشرف ليس في إخفاء الفضائح ولا في اعلانها ، ولا في التخلص من الأشخاص الذين قد يسيئون إلى سمعة الأسرة، بل في حماية الإنسان، ومنع الاستغلال، والاعتراف بالأخطاء، وإصلاح الضرر، وعدم الكيل بمكيالين.
سابعاً: بناء ثقافة للمسؤولية المشتركة… ؛ على الأسرة والمدرسة والمؤسسات الدينية والإعلامية والقانونية أن تتوقف عن إنتاج الخطاب الذي يحمّل الفرد وحده نتائج بيئة ساهمت في تشكيلها، وأن تنتقل إلى معالجة الأسباب من دون إلغاء المسؤولية الشخصية.
فالمجتمع السليم لا يبرر الخطأ، لكنه لا يجعل العقاب غاية في ذاته.. , ولا يتخلى عن الضحية لأنه يختلف معها، ولا يعفي المستغِل لأنه ينتمي إلى جماعته، ولا يختزل الإنسان في لحظة واحدة من حياته.
حادي عشر : التحليل النفسي والاجتماعي والفلسفي لظاهرة “خلق الضحية والبراءة المزيفة”
التحليل النفسي: لومُ الضحيةِ كآليةِ دفاعٍ جماعي (ميكانيزم الإسقاط وتبرير الشعور بالذنب)
في علم النفس الاجتماعي، يُعرفُ هذا النمطُ باسم “لوم الضحية” (victim blaming). المجتمعاتُ تميلُ إلى تحميلِ الضحيةِ مسؤوليةَ ما جرى لها، لأن الاعترافَ بأنَّ الشرَّ قد يأتي من “المجتمع ” و “الأشراف” ومن “العائلة” ومن “الصديق” يهدّدُ الصورةَ التي يحملها المجتمعُ عن نفسه… ؛ لومُ الضحيةِ ليسَ مجردَ قسوةٍ فردية، بل هو آليةٌ نفسيةٌ جماعيةٌ تُخفّفُ القلقَ الوجودي: إذا كانت الضحيةُ هي المخطئة، فهذا يعني أنَّ العالمَ عادلٌ، وأنَّ ما جرى لها لن يجرى لنا… ؛ لكنَّ الثمنَ النفسيَّ لهذه الآليةِ هو تدميرُ الضحيةِ مرتين: مرةً بالفعلِ الذي ارتُكبَ بحقها، ومرةً بالحكمِ الأخلاقيِّ الذي يُلقى عليها.
فالمجتمع الذي يعاني من اضطراب جمعي عميق، يستخدم آليات دفاعية مرضية مثل الإسقاط (Projection)… ؛ إن الأفراد الذين يغوون الضحية ثم يستغلونها، والذين يراقبون الفساد بصمت أو يشاركون فيه، يعانون من شعور مدمر بالدناءة الداخلية والخسة … ؛ وللهرب من محاكمة الضمير، يعمدون إلى تعيير الضحية ومعاقبتها؛ لأن وجودها يذكرهم بخطيئتهم المستترة.. , إنهم يقتلون الضحية رمزياً ونفسياً طوال الوقت، ليقنعوا أنفسهم بأنهم “الأنقياء” و”الشرفاء”.
التحليل الاجتماعي: كبشُ الفداءِ ووظيفةُ العنفِ الجماعي
يُقدّمُ الفيلسوفُ والأنثروبولوجيُّ رينيه جيرار تفسيرًا عميقًا لهذه الظاهرة في نظريته عن “الضحية القربانية” (victime émissaire) و”أزمة المحاكاة” (crise mimétique). المجتمعاتُ، حين تتراكمُ فيها التوتراتُ والصراعاتُ، تبحثُ عن “كبشِ فداءٍ” تُفرّغُ فيه عنفَها الجماعي، فتُعيدُ إنتاجَ السلمِ الاجتماعيِّ على حسابِ فردٍ أو جماعةٍ تُستبعدُ وتُعلنُ “مذنبة” حتى لو كانت بريئة… ؛ في حالتنا – مثالنا – ، المرأةُ هي كبشُ الفداءِ المثالي: امرأةٌ، فقيرةٌ، أميةٌ، بلا حمايةٍ عائليةٍ أو قانونية.. , المجتمعُ لم يكتفِ بتدميرها، بل جعلَ من تدميرها طقسًا يُطهرُ الجماعةَ من قلقها الأخلاقي.. , والأنكى أنَّ هذا الطقسَ يتكررُ: كلَّما ظهرتْ ضحيةٌ جديدة، أُعيدَ إنتاجُ الخطابِ نفسه: “هي التي أغوت”، “هي التي أساءت”، “هي التي جلبتْ لنفسها”.
النفاق المعياري وازدواجية المعايير
نعم ، نحن أمام بنية أبوية وثقافية تقوم على حماية الجلاد وكسر الضحية.. , هذا المجتمع ليس شريفاً بما يكفي ليترفع عن ارتكاب الموبقات، وليس شجاعاً بما يكفي ليعترف بها ويتحمل مسؤوليتها… ؛ إنه يمارس “الوصاية الأخلاقية المزيفة”.. , يغض الطرف عن الجناة الحقيقيين حين يكونون جزءاً من منظومة القوة، ويصبّ جام غضبه على أضعف حلقات السلسلة (المرأة، الطفولة، المهمشين).. , إنه مجتمع ينتج الجريمة ثم يدّعي طهارتها…!!
التحليل الفلسفي: العبثية والعدالة المقلوبة
المجتمعُ الذي يخلقُ الضحيةَ ثم يُطالبُ بمعاقبتها هو مجتمعٌ غيرُ متوازنٍ بالمعنى الوجودي، لأنه يُنكرُ مسؤوليتهُ عن الشروطِ التي أنتجتِ الفعلَ… ؛ إنه مجتمعٌ يُريدُ أن يحتفظَ بصورةِ “الشرف” دون أن يتحملَ تكاليفَ الشرف : لا هو يرفعُ عن الضحيةِ الظلمَ، ولا هو يعترفُ بأنَّ أبناءه هم من ارتكبوا الفعل… ؛ إنه مجتمعٌ سلبيٌّ بالمعنى السارترى: يهربُ من حرية الاختيار والمسؤولية عبر تفويضِ اللومِ إلى الضحية.
نعم ، تتجلى هنا أزمة المعنى والعدالة في أبشع صورها… ؛ وفقاً لمقاربات الفلاسفة الوجوديين، اذ يُفترض أن الوجود يسبق الماهية، وأن الإنسان يُخلق حراً ليكوّن ذاته.. , لكن في هذا المجتمع المريض، تُوأد حريّة الإنسان قبل أن تبدأ؛ فالضحية لا تُمنح حق الاختيار، بل تُحشر في زوايا العدم.. , و يتحول المجتمع إلى آلة كاريكاتورية تعاقب البريء على ذنب اقترفته هي، وكأن الجلاد قد تقمص دور الإله المشرّع، ليحاكم من أوجدهم في بؤسه وجبروته.
الخاتمة: من الذي أعدمها حقاً؟
إن مأساة المرأة التي انتهت حياتها بالانتحار، وفق الحكاية التي نناقشها، ليست مناسبة لإطلاق حكم نهائي على جميع أطرافها من دون تحقيق، لكنها مناسبة لطرح سؤال أوسع وأعمق: ما الذي يحدث حين يتضافر الحرمان مع الاستغلال، ثم تأتي الوصمة لتغلق آخر أبواب النجاة؟
لقد بدأت الحكاية، كما ذكرنا سابقا ، بطفلة لم تُمنح الوقت الكافي لتعيش طفولتها، ثم امتدت إلى زواج وإهمال وواقعة يُقال إنها انطوت على استغلال، ثم إلى طلاق وحرمان من الأطفال ورفض عائلي.. , وفي نهاية الطريق، لم تعد المرأة تواجه أزمة واحدة، بل وجدت نفسها أمام جدار من الخسارات المتراكمة.
وهنا تبرز المفارقة القاسية: قد يشارك المجتمع في تشكيل الظروف التي تدفع إنساناً إلى حافة الانهيار، ثم يتنصل من كل ما سبق، ويقف عند النهاية ليعلن أن المأساة دليل على فساد ذلك الإنسان وحده.
لكن هل تكفي إدانة النهاية لفهم البداية؟ وهل يصبح الظلم عدلاً لأن ضحيته أخطأت؟ وهل تمحو زلةٌ واحدة سنواتٍ من الحرمان، أم أن الحرمان نفسه يستحق أن يُفحص ويُحاسب المسؤولون عنه؟
إن المجتمع الذي لا يراجع دوره في صناعة المآسي محكوم بتكرارها، والمجتمع الذي يجعل من السمعة غاية أعلى من الحياة قد يحافظ على مظهره الأخلاقي، بينما تتآكل إنسانيته في الداخل.
أما المجتمع الذي يستحق أن يُسمى مجتمعاً أخلاقياً، فهو الذي يستطيع أن يواجه الخطأ من دون أن يتحول إلى جلاد، وأن يحمي الضحية من دون أن يعطل العدالة، وأن يحاسب القوي والضعيف بالمعايير نفسها، وأن يمنح الإنسان فرصة للعودة إلى الحياة بدلاً من دفعه إلى اليأس.
إننا لا ندافع عن الظلم حين نرفض ظلم الضحية، ولا نبرر الخطأ حين نطالب بفهم أسبابه، ولا نهدم الأخلاق حين نرفض ازدواجية معاييرها… ؛ بل إننا نحاول إنقاذ الأخلاق من أولئك الذين حوّلوها إلى سلاح ضد الآخرين، وإلى ستار يختبئون خلفه من مسؤولياتهم.
ولعل العبارة الأكثر قسوة في هذه الحكاية ليست أن امرأةً انتحرت، بل أن مجتمعاً قد يظل طويلاً يناقش خطأها، من دون أن يسأل نفسه عمّا فعله كي لا تصل إلى تلك النهاية.
لقد نكون أمام إنسان أخطأ، لكننا قد نكون أيضاً أمام مجتمع أخطأ في تربيته، وفي حمايته، وفي فهمه، وفي احتوائه، ثم أخطأ مرة أخيرة حين ظن أن إدانته تكفي لتبرئة نفسه.
فأيُّ فضيلة هذه التي لا ترى من المأساة إلا خطيئة الضحية؟ وأيُّ شرف هذا الذي يحمي السمعة ولا يحمي الإنسان؟ وأيُّ عدالة هذه التي تبحث عن مذنب واحد كي تعفي الجميع من مراجعة ضمائرهم؟
إن السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحاً ليس فقط: لماذا أخطأت تلك المرأة، أو لماذا انتهت حياتها بهذه الصورة؟ بل أيضاً: أيُّ مجتمع نريد أن نكون؛ مجتمعاً يمنع المأساة قبل وقوعها، أم مجتمعاً ينتظر سقوط ضحاياه، ثم يتسابق إلى رجمهم بالحجارة؟
ذلك هو الامتحان الحقيقي للأخلاق، وتلك هي المسافة الفاصلة بين مجتمع يقدّس المظاهر، ومجتمع يحترم الإنسان.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر