منبر العراق الحر :
قطَعَ رأسَ مقالي المُعدَّ لهذا الأسبوع خبرُ اغتيال والد المحامي علي چاسب الهليجي،الذي وردني في التنبيهات الجانبية على شاشة الحاسوب في اثناء الكتابة. فتوقفتُ وبدا مكتبي يفوح برائحةِ مزيج من الدم والبارود الذي فتق رأس هذا الرجل المسكين المكلوم الحزين الذي نتفرّج عليه لاهثاً باحثاً عن فِلذة كبده المخطوف لدى زمر الشر والجريمة والكفر السائبة في العراق.
كان المقالُ غيرُ المكتمل قبل لحظة ورود الخبر يتحدث عن الكتابة بين العام والخاص والإجابة عن سؤال يراودني وربما يراود أغلب الكتاب. لماذا نُخرج السنتنا الى الشأن العام وننشغل بتفاصيل وأحداث يومية في بلادنا والعالم ـ ولدينا ما يجعلنا مكتفين منكفئين على ذواتنا نُنتجُ أعمالنا الخاصة بمتعة ورويّة ؟ لماذا نزجّ أنفسَنا في الشؤون العامة التي تبدو للبعضِ سطحية ومرحلية وغير ذات قيمة؟.
وأنا أهمّ بالإجابة وتحضير بعض الاقتباسات المهمة لدعم افكاري اللاحقة، وإذا برأس چاسب يتدحرج بين يدي ،شاهدا على أننا جميعا في بطن الجريمة، بنموذج ضحيتها الجديدة ،الرجل المغدور المسالم النظيف البسيط الذي طالما كتب شعراً دينياً وطالما طلب في دعائه الستر والرحمة! ابن الريف الأصيل الذي ربى أبناءه حتى أوصلهم محامين وكفاءات ، وهو مستوى رفيع يُخرِج تلك العوائل الفقيرة من عنق الوظائف الميتة والامتهان الى الحياة . فاختطفه (الاخوة) لأنه يريد أن يكون حراً كما أوصاه إمامُ الشهداء (كونوا أحراراً في دنياكم ).
مقتل چاسب بهذه الوضعية جريمة رخيصة جبانة لا أخلاق ولا دين ولا سياسة ولا انسانية ولا شرف عشائري بل لا ترقى الى التوحّش نفسه،لانّ للوحوش أيضاً نظامَها الالهي الخاص الذي تسير عليه.انها حربٌ من طراز خاص هذه المرّة. حربٌ بين الفقراء والمجرمين وتحديدا المجرمين المفرغين من الرجولة، اولئك الذين يقتلون ابناءهم ويحاورون اعداءهم.
تركتُ الكتابةَ وأنا أصغي الى صوت الفقيد الحزين ابي علي يأخذ من خاطري وكأنه عرِف ماذا كنت أريد أن اكتب : أخي ابا لارسا، امض بطريقك ايها الولد المنفعل والشيخ الخائف على الدنيا ،الهارب من أن تكون ماضياً، الذي يريد أن يتذوق اليوم قبل أن يمضي، وأن يراقبَ ساعات جسده حية قبل أنْ تزول، حائرا بين فكرة أن ترحب بالتاريخ وتستدرجه،وأن تودّعه الى غير رجعة. ابق شجاعاً مهما كان الثمن، فالعدالةُ أجمل النصوص، والدمُ أشرف المداد، والمجرمون أخوة مهما اختلفت عقائدهم، شركاء في هذا العالم حتى وان تقاتلوا.
أخي أبا علي ، شكراً لوصيتك ..واعذرني، لا أعرف لماذا أشعر بالذنب، وكأنّ هناك قوةً لم تشتغل كما يجب لتوقِفَ قتلك بهذه الطريقة، فاعذرني لأني دونتُ صوتَك الحزين وخفقانَ قلبك عسى أن تخبرَ الله بما
حصل، وهو يثق بك تماما فلعلّه يفعل شيئا.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر