منبر العراق الحر :
إسم تختفي وراءه امرأة مضى بها قطار العمر إلى محطة لم تكن يوما ما في حسبانها ، لم تبالي بالمرآة عندما تقف أمامها ولكنها تقف أحيانا وهي تستذكر تلك الساعات الطويلة عندما كانت تسرّح شعرها بأمشاط خشبية ، وتحتار أين تضع شريطها الوردي كي يجذب عيون جارها الذي يقف قرب ذلك الباب ينتظر خروجها مستقبلا إشراقة مبسمها العذب ، لا يستطع أن يمسك قلبه النابض بكل هذا الشوق والحنين ، ينتظرها تبتعد ثم يخرج باتجاه معاكس يتخفى عن عيون الناس التي قد تلاحقه ، يضاعف سرعة قدميه كي يختصر المسافة التي تؤدي إلى لقائهما ، هناك يقف مكتوف الأيدي ، مسمر القدمين ، ترتعد مفاصله ويتلعثم لسانه عندما تنظر إليه بعينيها الواسعتين ، يتيه دلالا في نجمتين تتوسط سواد عينيها تبرق من بعيد ، مستمدة ضوءها من شعاع الشمس ، تمنى أن تغيب كل عيون الناس ليحتضنها بعفة قلبه وشوق حناياه ، حقيبتها المدرسية أثقلت كاهله وهي تحملها على ظهرها ، يختفي نصف منها مستظلا بشعرها والنصف الآخر يتمايل باتجاه معاكس لحركة قدميها ، يقطع وراءها نصف المسافة حتى تلتقي برفيقتها ثم يعود حاسرا تحاصره الأمنيات التي لا حدود لها ، أما هي فستراه هناك بين فصول الكتاب المدرسي وسترجع إلى بيتها دون أن تعلم ما دار في الصف من دروس .
كل يوم يتمدد في قلبها ذلك الحب حتى تملّكها بكل جوارحه ، اصبحت أسيرته وسجينته ، لا يروق لها حديث إلا وكان إسمه يتردد بين شفتيها ، الحب لا يعرف الأزمنة ولا الأماكن ، إنه هناك يسكن أوردة القلب ويتعلق بشغافه ، ففي كل قلب عاشقة هناك ليلى ومجنونها ، هناك روميو وجليت ، هناك شهرزاد وشهريار يبيتون ألف ليلة وليلة في وجدان وضمير عاشقٍ حيران ، ولكن لماذا اختفى الجميع وبقي هؤلاء؟ هل لأن الزمن حال دون وصالهما؟ هل لقاء الأرواح دون الأجساد سببا في خلود تلك القصص؟ ولماذا الجنون والانتحار ؟ الحب يشعل نيران الشوق الذي لا ينطفئ إلا بإلتقاء الأجساد ، لاشك هناك الكثير من العشاق اجتاحهم الحب بلا رحمة ، لكن عواصف الشوق وأمواج الوله تحطمت وهدأت رياحها بالزواج ، تحقيق الرغبات هي مقبرة وانتحار على فراش الاغراض ، العاشقان عند ماركيز في قصته الرائعة “حب في زمن الكوليرا ” افترقا ولم ينس ذلك الرجل حبيبته ، بقيت عالقة في ذهنه حتى آخر العمر وما أن التقيا مرة أخرى بعد أن مضى على فراقهما خمسون عاما ، سكن كل شيء في نفسه كما سكن حب عشيقاته اللائي طارحهن الغرام في أيام شبابه التي خلت ومضى كل شيء ، المتعة واللذة ليس في بلوغ الغايات إنما في الطريق إليها .
أوراق الخريف لم يحالفها الحظ للزواج من جارها الحبيب ، تم رفضه من قبل أهلها في كل مرة يطرق الباب حتى كلّت يد حبيبها وعجز أهله عن إقناعهم بتزويج ابنتهم له ، اتخذ من إلتحاقه بالحرب حجة لرفض الزواج بأخرى غير حبيبته عندما نصحه أهله بالزواج من غيرها وتحمل الهجر والحرمان ولكن نفسه التواقة إليها تجبره للقاء بها عندما يعود مجازا من جبهات القتال ، يمر بها وهي تدرس في مراحلها الأخيرة في تلك المدينة ، يلتقي معها في الشوارع والطرقات ببدلته العسكرية بعيدا عن عيون رجال الإنضباط العسكري الذي يحرّم على الجندي مصاحبة النساء ، يلتقون تحت ظلال الأشجار ، يكتبون تواريخ لم يسجلها الزمن لعلها ضاعت وأصبحت رمادا بعدما هجم الكثير من الناس يقطعون الشجر والأغصان ، يوقدون بها قدور الطبخ في زمن الانتفاضات التي تؤججها المعارضة على نظام الحكم .
تخرجت “أوراق الخريف” وتعينت معلمة في مدارس إحدى الأقضية ومازالت فرص اللقاء بالحبيب قائمة والأمل لم ينطفئ بعد حتى ساق لها الدهر رجلا خطبها من أهلها واعلنوا موافقتهم فورا ، لم تستسلم أوراق الخريف واعلنت رفضها رفضا قاطعا ولكن لا أمل في ذلك ، خضعت للمراقبة الشديدة والتهديد العنيف وأخيرا استسلمت لتتزوج جسدا بلا روح ، ومن يومها انقطع الحبيب وحرّم على نفسه اللقاء بها كونها بذمة رجل آخر كما أن عفة واحترام وجودها من أولويات صدقه وحسن نواياه ، صمد طويلا يواسي نفسه ويسكّت صخب الضجيج بداخله ، انقطع الأمل ومات الرجاء ولم تعد أوراق الخريف بالنسبة له سوى ذكريات وصفحة انطوت ، ولابد أن يتخذ قرارا يغير فيه مسيرته ، فليس من الصحيح أن يبقى يعزف على أوتار مشوشة كما يقولون ، هذا ما نصحه به المقربون المطلعون على تجربته وعليه أن يخضع للأمر الواقع .
تزوج امرأة شاءت الأقدار أن تكون معلمة في المدرسة نفسها التي عينت فيها حبيبته ، وبدأت سكاكين الدهر تشحذ نصالها من جديد أمام ناظريه ، لتقطع أوصاله كل يوم عندما يأتي بسيارته لأخذ زوجته ، واجبره الشوق العارم أن لا يغادر المدرسة حتى يرى ولو ظلها على الرصيف المتهالك من تلك المدرسة ، يعود بصحبة زوجته حسيرا يسيطر عليه طابع الحزن ولوعة الحرمان ولم يفلح في إخفاء ما يبدو عليه أمام زوجته حتى اكتشفت سر حزنه ، فاعلنت تلك المرأة حربها الشعواء عليه وعلى حبيبته وفرضت عليه حصارا شاملا أشد قسوة من حصار الأمم المتحدة على العراق .
مرت السنون والأيام تتعاقب فصولها بثقلها الرتيب ، فما اقسى الحياة على الإنسان عندما تتساوى أيامه ولياليه ، لم يجد ما يواسي به نفسه سوى صفحة يتيمة يدون عليها أشعاره ، وماذا سيقول الشعر الذي اختصره أبن الملوح عندما قال : عجبتُ لسعي الدهرِ بيني وبينها .. فلما انقضى ما بَٕيننا سكنَ الدهرُ ، وآخر يقول : فليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ .. وبيني وبين العالمينَ خرابُ .
عاشت أوراق الخريف غريبة في بيتها ما بين زوجها وأولادها .
مات زوجها اثر نوبة قلبية وبدأت تعاني من الوحدة والحرمان حتى عثرت على صفحة حبيبها ، اخذت تتحسس حروفه لتجد نفسها حاضرة في كل بيت شعر يكتبه ، دموع وذكريات وحنين يشدها كل يوم إليه ، لم تجد من تشكو له ولا من يشاركها ذلك الحزن ، اخذت تفكر بإيجاد وسيلة ووقت مناسب للقاء به من جديد ، ولكن كيف ومتى يكون ذلك ، وخزات الضمير تؤنبها عندما تقرر اختراق عالم حبيبها واخيرا عثرت على رقم هاتفه فوجدته كما هو لم يتغير نحوها رغم شدة الحصار وضنك الحياة واخيرا قررا معا أن يلتقيا من جديد ، فعرض عليها الزواج سرا بعيدا عن عيون كل العالم ، عادت إلى بيتها تحلم بذلك اليوم لتعدَّ العدة له ، ولم يبق سوى اختيار الوقت المناسب والمكان المناسب ليتم عقد الزواج بينهما ، مرت عليها تلك الأيام والساعات وهي ما بين الألم والأمل ، وبعد أن جهزت كل شيء للسفر معه ولم يبق سوى تحديد اليوم الموعود ، استيقظت في اليوم التالي وأخذت تصفح في الفيس بوك حتى صعقت وخرّت مغشيا عليها عندما قرأت نعيا له من قبل ولده الذي دون كلمات الوداع الأخير لأبيه.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر