منبر العراق الحر :
مذ عصفت بي الحياة ورمتني مثل ريشة في مهب الريح وهذه النفس لا تهدأ ولا تستريح من ذلك العصف ، فلا أمان ولا اطمئنان حتى ترقد في مثواك الأخير وعندها ستلبي تلك النفس نداء ربها بعد أن تهدأ وتطمئن فلولا إنها لم تكن في قبر آمن لما ناداها ربها (يا أيتها النفس المطمئنة ) .
في الرابعة من عمري حدثني مخبر سرّي قال لي : رأيت أمي تقمّط رضيعها بقطعة قماش بالية ، تهدهده بلحن اغنية (دلول يالولد يبني) كي ينام في كاروك معلّق بسقف بيتٍ مطلي بدخان أسود يهتز بلا انقطاع كبندول ساعة جداريه ، وفي ليلة من ليالي الشتاء كان هبوب الريح بلا وجهة تعوي كصوت ذئاب برية ، البرد القارص يرتجف في حضن أمي ، بُحَّ صوتها ولم ينم أخي الرضيع ، في الفجر قبل صياح الديك شاهدت أبي يقمّط أخي بقطعة بيضاء اقتطعها من كِلّة بالية ، استغربت فالقماط تجيد فعله النساء ، انسل خارج البيت محتضنا ذلك الرضيع متجها الى أطراف القرية ، استيقظت وأنا ألحقه ، اتعثر بحفر الدروب المتعددة نحو منطقة عالية ، يحمل بإحدى يديه معولا وبالأخرى طفله الملقى على صدره ، وخلف رابية صغيرة جلست انظر إليه بعينين صاحيتين فما عاد النعاس يمكث في الأجفان .
اتخذ مكانا معينا وبدأ يحفر الأرض بذلك المعول المتجبر وقد ترك الطفل بجانب تلك الحفرة ثم انحنى عليه يواريه التراب ، تسمرت دمعة كبيرة بحجم الكون في مقلتي وملئت قلبي صرخة لن يسمع صداها سوى أثير السماء الملبد بغيوم الاسى في صدري ومن ذلك اليوم عرفت ماذا تعني هذه الحياة ، فمساحة صغيرة تقاس بالأشبار تختصر كل الازمنة والعصور .
مضت أيام وشهور حتى تناسيت ما حدث بسبب عصفٍ آخر ألمَّ بي ، بدأت اسابق الريح وأنا امتطي خيزران أبي التي ورثتها عنه من بين إرث كبير يتسع رقعة شطرنج في مخيلة لاعب محترف ، عصفٌ جعلني أقف على شاطئ نهر متفرع من الفرات ، ارتمي من فوق جذع نخلة على رأسي ، أغوص عميقا بحثا عن ماء العروس الذي يركد في حفرٍ أسفل القاع ، أشرب منه ولا أعرف كيف احتفظ بما تبقى كي أجلبه للبيت يروي ظمأهم ، وما أن أنطَّ فوق سطح الماء حتى أجد نفسي في منتصف النهر ، تعلمت أن أشهق الهواء واحتفظ به في رئتي أما زفيره فأطلقه عند صعودي وأنا اتناوش سطح الماء وما أن أعود الى جرف النهر يغريني عذق أعلى نخلة فلا أبالي بصعودها لأحوي منها بشفتي رطبا شهيا ، أعود لأهلي خالي اليدين إلا من ماء العروس ورطب تلك النخلة الذي لم يبق منه شيء بعدما يمنحني قوة امتطي بها من جديد تلك الخيزران ضاغطا من ورائي على طرفها الاسفل الذي يتبعني كي أترك أثر من يقتفيني ، النخل ذو السعف الطوال الاخضر الغامق يظلل ماء الجرف ، اجلس هنيهة أنظر للحمام على أغصان الشجر فيبادرني ذلك العصف من جديد لأطلب من الحمامة أن تعيرني جناحيها لأطير كيفما أشاء وأحط فوق ما أشاء ، لكن أنين هديلها الحزين جعلني خائر القوى فهو ينبئني بأن الألم والحزن يكمن هناك في تلك الروح فلا أرض ولا سماء تمنحك طعم الحرية والسعادة .
السلاحف تترك الماء وتأتي صوب النهر مستظلة بالأشجار التي لا تخلو من أفاعي الماء ولم أعرف في وقتها عندما التحفتُ الصحراء في تلك الحرب اللعينة إن الأفاعي يمكنها أن تستغني عن المياه ، وحينما أطارد السلاحف أستطيع الامساك بها ، لكن وسائلها الدفاعية الغريبة والنتنة تجبرني على تركها .
أشم رائحة البرتقال والتفاح في سفن القادمين من المدينة الذين يمرون أمامي ، يجعلني أعاتب تلك الأرض فيما لو استبدلت تلك الثمار بتمر هذا النخيل ، لم أشعر بطعم البرتقال وأنا في فندق الخمسة نجوم كما شعرت بطعمه ومذاقه عندما كان عصيا علينا ، ولم أدرِ في حينها إن النخلة سيدة الشجر .
من عصف الى عصف حتى استأسد الغي واستقعرت القمم ، فلم تعد تلك النخلة سيدة الشجر ، رأيتها منحنية بلا سعف على ذلك النهر الذي جفَّ ماء عروسه ، وتلك الحفر تتراقص على اعتابها الجرذان ، والدمعة التي ذرفتها على ذلك الطفل الذي توارى بكفن أبيض تحولت الى دموع بلا انقطاع على أطفال رضع عراة دفنوا بلا أكفان في مقابر جماعية ، فإلى أين أيتها النفس ؟ وإلى متى تعصف بك الحياة ؟ وكل شيء له حدود ، فمن قال إن الخيال ليس له آل ؟ ولكنهم صدقوا أولئك الذين قالوا : إن الواقع أغرب من الخيال ، فمن يعرف الآن وجهي ؟ وقد عبرت تلك السنين ، نفضت حمولتها على أرصفة الوهم وما عادت الدروب تستقبل أقدام الذين طوتهم الأرض ، حرُّ اللهفة وصدى الآهات اختفى في لمسة هاتف جوال .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر