منبر العراق الحر :
ليس الجدَل القائم اليوم وكل يوم على حقيقة شخصيات تاريخية معروفة إلاّ دليلاً آخراً على هزالة التاريخ وقطعانية العامة، وضياع الهوية الوطنية.
نحن نعاني مشكلة الانتماء بالدرجة الأولى، فكل مجموعة “متورّطة” بالانتماء لرابطة ما؛ طائفية، قبلية، حزبية، الخ، وكل رابطة لها شخصياتها ورموزها التاريخية وموالوها، ما أضاع الانتماء والهوية وحوّلها لهويات مشرذمة قاتلة متقاتلة تُجسّد موروثاً عنفياً نحاول علاجه. فحين تضيع بوصلة الانتماء ويصبح الانتماء المذهبي والعشائري أكبر من الانتماء الوطني، نتحوّل لجماعات وبقايا شعوب وشبه دول من السهل استعمارنا واستنزافنا بحروب ثقافية ودينية وعسكرية لم نخترها ونحن الخاسر الوحيد فيها.
إلاّ أننا ورغم انقساماتنا الفكرية والثقافية والسياسية، نحن لا بد نجتمع كأفراد وجماعات باشتراكنا في إنتاج الحياة على أرض واحدة، ويحكم تعاوننا كمتحد بالإضافة للعامل الإنساني الأول، العامل الاقتصادي والاجتماعي والذي شكّل ضرورة وحتمية التمازج الثقافي والتعاون والاتحاد بين مكوّنات الشعب كي ننتج ما يسمّى بالمجتمع قبل الدولة.
من هنا، فإنّ مَن نتصارع من أجلهم اليوم ليسوا من ضمن الصراع الحقيقي، والذي يجب أن نعيد النظر في أولياته كصراع حضاري أولاً وهوياتي واقتصادي معرفي، وأن نعيد النظر بمشروع المواجهة وبأدواتنا وكيف سنبني دولة مدنية عصرية بمتحدات متنوّعة تتفاعل وتتشارك على أساس المواطنة والتطلّع لتطوير الهوية لهوية منفتحة جامعة مُنتِجة لثقافة الحياة لا ثقافة الموت والاقتتال.
المواجهة لا تكون باستمرار الانقسامات والأحقاد من أجل الولاءت لأشخاص وإيديولوجيات من التاريخ؛ التاريخ يكتبه المنتصرون، ويروّج له المستفيدون، بينما تردّده وتقتتل لأجله الشعوب المُغيَّبة.
(لا نستطيع حين تقييم أي حدث تاريخي فصله عن سياقه الزمني وطبيعة الحياة والناس في تلك المرحلة)، وقد يكون لا فائدة مرجوة من إعادة تقييم أحداث وشخصيات تاريخية سوى تجريدها من صفة البطولة كفعل لا يصلح أن تقتدي به الشعوب اليوم لاختلاف الزمن والظروف ومتطلبات التطور.
والشعب المرتبط بالماضي هو نتيجة لاستبعاده عن الحاضر بما فيه السياسي والمعرفي والتطوّري، وتركه فريسة للدفاع والاقتتال على ما هو مقدس وما هو خائن، ونتيجة الاستبداد السياسي الحاصل لعقود طويلة.
من المهم العمل إذن على إعادة اشتراك الشعب بالحياة السياسية والثقافية كي ينتج الديمقراطية المنشودة والتأسيس لمفهوم عصري متقدم للدولة والمجتمع بهوية وطنية واضحة المفاهيم، فكما كتبتُ سابقاً عن مسيرة التنوير أنّ الديمقراطية والعلمانية ليستا مشروعاً حزبياً سياسياً بقدر ما هما نتاجَ صراع ثقافي نفسي سياسي لا يمكن أن يتحقق في ظل هذا التشرذم الحاصل والسقوط الفكري والانبطاحية سواء لشخصيات ورموز الماضي أو اليوم.
الكاتبة ريم شطيح
منبر العراق الحر منبر العراق الحر