عقال أبي ..موقف مقالي ….ابتكار وتأليف عبد الرزاق الغالبي

منبر العراق الحر :
عقال أبي بطل من أبطال القرون الوسطى, لو أوسعتكم قصصًا عن بطولاته سيترك آثاره فوق جلود أحاسيسكم كما تركها سوطه فوق جلد إحساسي وعقلي وشخصيتي وصنع إستراتيجيتي التربوية والانسانية، ضرغام رهيب، يفرد له مسمارًا خاصًّا على أوسع جدار في البيت، وعقول سكانه يعلّقه عليه أمام أعيننا الصغيرة, إشعارًا لنا بأنّه موجود، يتقصّد أن يكون مرئيًّا للكل، وحين تشتدّ الشكوى من والدتي، يكون هذا السلاح فعالًّا ،كإبر الوشم فوق الجلد، يقوم بواجبه على أكمل وجه، و بشكل جدّي قطعيًّا، ويبدأ المفعول حين يطلق والدي جملته المخيفة في إطلاق سلاحه النووي، كاستهلال التصوير لمشهدٍ من فيلم رعب لـ (هتشكوك ) في ساحات حرب ضروس، وعبارة المشهورة ( ستاند باي، أكشن)، ولا أظن أن تلك العبارة توازي مستوى عبارة أبي بالقوة والتأثير حينما يغضب منّا و يطلقها بعصبية ( جيبو العقال ) …
عند تلك العبارة، تسكب العبرات وتطلق العيارات، ويتوقّف الزمن، ينقطع الصوت وتخمد الحركة، وينتشر الهدوء والسكينة، فيسمع صوت رنين الإبرة إن وقعت على الأرض، أو صوت نملة تنادي زميلتها في الضفة الثانية من نهر الفرات، ويسترق سمع المارّة في ساحة التحرير ببغداد صوت صراخ ماري أنطوانيت حين نزلت المقصلة على رقبة لويس السادس عشر … ويهدأ البيت تمامًا، والكلّ يندلق كراتٍ من زجاج في كل الاتجاهات، منهم نحو فراشه ، والآخر نحو واجبه المدرسي الذي أهمله طوال النهار، لإكماله بعد نطق تلك العبارة الكونية ، حتى اعتقدت- وأنا ابن السابعة- أن الكون يهدمه عقال أبي إن رغب في ذلك، والغريب في الأمر أنني لم أشاهده يومًا يستخدم تلك التقنية الذريّة بشكل فعلي …. وحين كبرت تربويًّا، أدركت أن الهيبة والوقار واحترام النفس والناس وإطلاق الكلمة الطيبة والتصرف المدروس، هو أشد تأثيرًا من العقاب البدني , وإن العقاب التربوي يجب أن يكون كالعقاب الأبوي, وصارت استراتيجيتي في عملي التربوي وقدوتي في سلوكي تكمن في (عقال أبي)…..
وكالعادة يقوم مدير مدرستي بجولة تفتيشية في المدرسة كل يوم من بداية الدرس الأول والثاني، ويجد بعض الطلبة في باب قاعتي التدريسية، منهم معاقب ويبكي ومنهم
من طرد من الدرس، سألني يومًا في مجلس المدرسين سؤالًا :
– أستاذ ….أليس العقاب وطرد الطالب من قاعة الدرس أمرًا ممنوعًا حسب اللوائح والقوانين التربوية…؟
– وقبل أن أجيب على هذا التساؤل فكرت بالقصد من ورائه، مع الأخذ بإيجابية السؤال و سلبيته ، فوجدت الفائدة الجمعية تنث من الخوض فيه، وكنت أتوقع يومًا أن يصبح فعلي هذا مصدرًا لنقاش فعلي لو أثير الأمر، حلّت ساعته الآن, فهو يحمل حالة تربوية سامية كنت أنتظرها، بغض النظر عن نوع المقاصد وراء ما قيل أو سيقال….أجبت أمام استغراب أعضاء الهيئة التدريسية! وظنّهم إني حشرت في زاوية حرجة لتجاوزي الحدّ التربوي المعقول من التصرف الغير لائق :وأجبب:
– “عقابي تربوي بحت وليس فيه خروج عن القوانين التربوية…. يا أستاذ …!”
ردّ المدير بجديّة مفرطة بعد أن شاهد علامات الضحك والاستهزاء على وجوه الزملاء :
– وكيف يكون عقابك تربوي والطلبة يتباكون ومنهم من عاقبته جسديًّا….!”
أجبت بهدوء:
– وأنا لم أنكر ذلك، وهل جاءك ولي أمر أو طالب منهم يشكو معاملتي القاسية له…؟
صمت المدير قليلًا، ثم أجاب بارتياح وابتسامة عريضة تعلو محيّاه، وكأنه مندهش من تلك الحالة المعكوسة الغريبة, فقد شكى له أولياء الأمور في مجلس الآباء من تصرفات الكثير من المدرسين وحتى البسيطة باستثنائي! الظاهر إنه يريد استثمار تلك الحالة أمام المدرسين ليعرف اللغز في تلك المسألة، فقال :
– فعلًا أنا مندهش من تلك الحالة، يشكو لي أولياء الأمور من المدرسين على أتفه الأسباب، وأنت تعاقب وتضرب الطلبة إلى حدّ البكاء ولم يشكوك أحد….ما اللغز في ذلك …وضّحه لنا لنستفيد منه أرجوك….!؟”
ابتسمت وقلت والكل مصغي بانتباه :
– “يا أخوان أنا استخدم إستراتيجية (عقال أبي) في العقاب….!
ضحك الجميع بقهقهات عالية, وكأنني ألقيت مزحة مضحكة، فأضفت:
– “وافتخر باستراتيجية ذلك العقال العجيب، التي أوصلتني وأوصلت أخوتي إلى مراكز عليا في المجتمع”.
وقصصت عليهم استراتيجية العقال الذريّة, وفسّرتها لهم تربويًّا بنقاط :
– “أولًا: أنا لا أعاقب طالب عن حركة أو ضحكة تافهة يقوم بها في الفصل أبداً، بل أعاقبه وبشّدة من منطلق معرفي بافتراض أني والده في المدرسة، وأضع نفسي بديلًا عن والده في البيت, وأتصرّف معه بحبّ وجديّة وإخلاص…فالطالب أمانة وضعها أهله في أعناقنا, وهو يقضي معنا وقتًا أكثر من الوقت الذي يقضيه مع أهله في البيت، وهذه مسؤولية كبرى علينا أن ندركها ونتصرّف معها بحذر وحنكة وذكاء وعلم ومعرفة ،فإن طرق التدريس علم يسمى (الميثودولوجي) والتعليم أيضا علم يسمى بعلم (البيداغوجي) علينا أن ندرسهم وندخل الدورات لإستيعابهم، جزاكم الله خيراً…!”
تسيّد الهدوء أنحاء الاجتماع، وانحسر الضحك وتغيّرت معالم الوجوه اتجاه الجدية والاستزادة ، وتنوعت المقاصد، ولا أدري قسم معي وآخرين التزموا الصمت، أمّا المدير فكان معي بكلّ قوّته الإدارية والتربوية التي أحتاجها, وذلك واضح من ردة فعله حين قال:
– “جزاك الله خيرًا يا أستاذ, فسّر لنا من فضلك واقع العقاب الذي تتّخذه ضد الطالب المهمل والمسيء لنستفيد ما دمنا في اجتماع تربوي بخصوص الموضوع….!”
قلت:
-“ثانيًا : أنا ليس لدي طالب مسيء في الصف ، حتى إني نسيت تلك المفردة وحذفتها من قاموس عملي ،لأني أشغل الدرس علمًا ومعرفة ، فليس هناك مجال للإساءة ، فالإساءة حسب خبرتي تتأتّى من الشاغر و الانفلات في الدرس…”
ثالثًا: أنا أستخدم سجل المتابعة في أول دخولي للصف, وهذا ما يضبط الطالب, فكل شيء في هذا السجل محسوب بدقة ، وله درجة ، حتى هندام الطالب…لكون المعرفة والانضباط عندي أهم من تراكم أرقام الدرجات ، والتدرّج في الاستيعاب أهم من الانتظار والتأجيل للحصول على أعلى الأرقام فجمع الطالب لأعلى الأرقام في الدرجات كبديل لتراكم المعرفة لا يفيد ، وهذا خلل في نظامنا التربوي، لكون هدف المدرس الحقيقي يجب أن يتركز وراء تراكم المعرفة في أذهان الطلبة وليس تراكم أرقام الدرجات….
رابعًا: أنا أتابع عدد مرات إهمال الطالب بدقّة في سجل المتابعة، فإذا تكرّر إهماله, في الثالثة أحذفه من سجل المتابعة بذريعة أن هذا السجل خصّص للمعلومة المعرفية وليس لأرقام الدرجات, لذلك أثبت له درجة (100%) في درسي، فهي ليس لها قيمة عندي، مع إعلان براءتي من متابعته العلمية، لأني لا أقيم وزنًا للدرجات أكثر من استيعاب المعلومات…وأخبر مراقب الصف أن لا يدرج هذا الطالب مع الغياب في درسي لرفضه متابعتي العلمية له…وهذا ما تراه، يا أستاذ خارج الصف يبكي خلال جولتك التفتيشية … لأني أحشره في زاوية حرجة بين الفشل والنجاح كعلاج نفسي ، والإهمال أول غيث في ثقل الفشل يحمله الطالب على ظهره، فحين يرى ثقل الفشل بأمّ عينه يستقيم…يبقى يتوسّل لأعيد اسمه لسجل المتابعة، ويكون بعدها من أفضل المتابعين….
خامسًا: في بداية كل درس ،أختبر الطلبة في أول عشرة دقائق ، بمعلومات التحضير اليومي التي أعيّنها له مسبقاً, وأصحّح الأوراق وأعيدها لهم في نفس اليوم، وفي اليوم الثاني أختبر الطلبة الذين فشلوا في اليوم الأول، فلا أعتبر الدرجة مقياسًا, للاستيعاب بل الاستيعاب نفسه مقياسًا لرقي الطلبة المعرفي ….
سادساَ: أختبر أكثر من اختبارين شاملين في كل شهر, وفي اليوم التالي للاختبار أوزّع أجوبة الأسئلة مع المناقشة فيها، وأعيّن إعادة لامتحان بعد موعد توزيع أوراق الإجابة مباشرة, وبنفس ورقة الامتحان السابقة للراغبين في الإعادة, فالطلبة الذين أخفقوا في جانب من جوانب الامتحان سيتحسّنون حتمًا في إعادته, وسيفرحون حين ألغي لهم الدرجة السابقة وأحسب لهم الدرجة العالية الجديدة ، أمّا الذين تهبط درجاتهم في الإعادة ولم يعدّلوها في الاختبار الثاني ، أحسب درجات الفرق الهابط بالعصا على يديه !….وهم الذين رأيتهم في خارج الصف يتباكون يا أستاذ…..بتلك الطريقة أكون قد زوّدتهم بالمعرفة دون أن يحسوا ، عن طريق المناورة بالدرجات و ضرب أهميتها ، التي يقيسها بعض المدرسين بالمثقال ظنًّا منه أنها الهدف وليست المعرفة ، وهذا خطأ فادح يرتكب في نظامنا التعليمي….
سابعاً: أحذر كثيرًا من مطالبة الطالب ماديًّا بثمن ورقة الملزمة أو الاختبار، أو مساومته على الدخول بدورات خصوصية ، لكون هذا التصرّف المنحرف سيصغرحجم شخصية المدرّس بعين الطالب من جهة، ويحوّل العملية التربوية إلى عملية متاجرة ترهق ولي الأمر والطالب معًا ، من جهة أخرى…..
فهل يا ترى يعترض ولي أمر عاقل على هذه الإجراءات التي تنبع من عقال أبي….؟”
أجاب المدير بشدّة وجدية واعجاب:
– لا والله ….!!
وكيل المديح الذي لا أستحقه ، لأن ذلك واجبي الذي أقبض عنه راتبًا حلالًا…

اترك رد