منبر العراق الحر :
ما زالَت تلكَ المدينةُ غافيةً على نهرِ الفُراتِ ، تَمتَدُّ بنصفِها الأكبر على الجانبِ الأيمنِ مِن هذا النهرِ الذي تَحمَّلَ كلَّ ضَجيجِ وصَخبِ أبناءِها مُذ كانَ أجدادُهم يَلفّونَ يشاميغهم على رؤوسِهم ، يَتقونَ بها حرَّ الصيفِ القائظ بهجيرِ شَهرينِ مُتتابعين أولهما تموز وثانيهما آب ، شهرانِ جعلا الناسَ يضربونَ بهما مثلا شاعَ بالحذرِ من حرِّيهما ، أمثالٌ عن الحرِّ كثيرةٌ لن تغيبَ عن ذاكرةِ أبناء الجنوب في العراق ، مدينةٌ لم يَغفل عنها الطغاةُ مُذ أُسست ، يحاذرون من أبناءِها ، أبناؤها طَيبون لكنَّهم شَرسون ، فقراءٌ لكنَّهم متَربصون ، مُثقفون لكنَّهم يَتجاهلون ، يسمونها مدينة (المنتفك ، المكير ، الناصرية ، وأخيرا الشجرة ) ولهذه الأسماء قصصٌ وحكايات كثيرةٌ ومتباينةٌ أصبحت عناوينا لهذه المدينة ، نُقِشَتْ في ذاكرةِ التأريخِ ، فالنقشُ في ذاكرةِ التاريخِ ليسَ كالنقشِ على الحجرِ ، فكم من نقوشٍ حجريّةٍ لم تقرأها عين ، وأخرى ترجمها منقبون بعضهم لصوص يُغَيّبونَ الحقيقةَ ، الحقيقةُ لم ترَ نفسها على وجهِ البسيطةِ كما هي ، ونحن ننظر لها وكأنَّها عروسةُ بحرٍ نصفُها حوريةٌ والنصفُ الأخرُ سَمكةٌ ، أما ذاكرة التاريخ فلا يصيبها عطبٌ ولا تندثرُ مهما تَعرَّتْ .
نهرُ الفرات وريدٌ نازفٌ في جسدِ التاريخِ منذُ أن مَنعوا ماءَه عن قلوبٍ لاهثات ، ونساءٍ مرضعات ، وشفاهٍ ذابلات ، شفاهٌ استجار بها الظمأ فارتوى من فيض دماءٍ زكيةٍ ، أبناءُ هذه المدينة شَتموا الفراتَ بلا ذنبٍ طلباً للثأرِ منهُ في ذلكَ اليوم ، تعلَّمنا الشتيمةَ مُنذ الطفولةِ عندما تخذلنا قوانا لا نفرُّ أمام عدوِنا بل نتَّخذَ مِن الشتيمةِ سلاحا آخر نقارع به ذلك العدو حتى يغرسَ أنيابهُ المسمومة في حلقومِنا ، شتموه يوم هدَّدهم بغرقِ محاصيلهم وشَتموهُ يومَ أغرَقهم وهُم ينظرون إليهِ مِن فوقِ الأسطح ، والآن بعد أن يبست عروقه وأصبحت قيعانه ملاعب للصبيان ، عادوا ليشتموه من جديد .
الجانبُ الأيسر من المدينةِ ما زلتُ اذكره ، وكيفَ لي نِسيانهُ ، ها هو ماثلٌ أمامي الآن بذلك المدفع الذي كنّا نتركُ بيوتنا ساعة الإفطار في شهر رمضان لنسمع دويَّ إطلاقِ قَذيفته وهي تشقُّ سماءَ المدينةِ ، تعلن لجميع أبناءها بموعد الإفطار، أحببتُ ذلكَ المدفع رغمَ دخانه الذي يزكمُ الأنوفَ ، وصوتهُ الذي يبعثُ الخوفَ والهلعَ في قلوبِ اليمامِ ، ليسافرَ هرباً منه إلى مَلكوت النخيلِ ، قالَ لي احدُهم : ليسَ لليمامة قلبٌ ، قلتُ لهُ : لم أتأكد من ذلك فأنا لم أشقُّ بطنها يوماً ما ، لكنَّ نواحها يدلُّ على قلبها الكبير الذي يتحمل مواجع كل هذا الفراق ، اقترنَ دويُّ المدفعِ بشربِ الماءِ واللبنِ واكلِ التمرِ المنزوعِ النوى والمتلبسِ بدهنٍ حُرٍّ تَدْخرهُ أمهاتُنا لمثلِ هذه الأيام المباركة ، أحببتهُ لأنَّهُ لا يخلفُ الموعدَ فهوَ متمسكٌ جداً بلحظةِ غيابِ الشمسِ وقتَ الغروبِ ولم ادرِ وقتها بأنه يوما ما سيُباغِتُنا بلا موعدٍ ليحولنا إلى أشلاءٍ مقطَّعةٍ يبعثرها كيفما يشاء .
الجانب الأيسر من المدينة يخلو من سكنة أبناءها إلا في الأطراف المقابلة لأطراف الجانب الأيمن ولم يخطر ببال احد منهم أن يمر أو يتجول فيه ليس بسبب وجود المدفع هذا ، إنما بسبب جنود يعسكرون فيه ، ففي كل صباح وعند طلوع الفجر ، نسمع دوي أصواتهم وهم يرددون (طالعلك يعدوي طالع ، من كل بيت وحارة وشارع) ، لم اعرف في حينها مَن ذلكَ العدو الذي يقصدون ، لكنني شيئا فشيئا عندما كبرت قليلا ودخل علينا معلمنا يوزع لنا طابعا لا أتذكر ثمنه لكنني أتذكر صورة ذلك الفدائي الفلسطيني البطل الذي يمسك بندقيته بإصرارٍ وشجاعةٍ ، فقَدَ وَطنَه ولابدَّ من دَعمهِ لكي نسترجعها معه ، علينا أن نتبرعَ بمصروفاتِنا لشرائه ، قلتُ لصديقي (عماد*) الذي يجلس بقربي على الرحلة يجب أن تقرضني ثمن هذا الطابع كي ادفعه فانا لا أطيق الانتظار يوما آخر لابد أن أكون أول المبادرين ، صديقي عماد كَبُرت القضيةُ في نفسه ، ترك مدرسته والتَحقَ هناك مع المقاتلين في لبنان ، بقي في أرضِ المعركة شهيداً لم يَشهدْ عليهِ أحدٌ إلا غيابهِ عن الحياة ، مرَّت أعوامٌ وأعوام ، التحقت بأولئك الجنود الذين استبدلهم الموت بآخرين ، ردَّدتُ معهم النشيد نفسهُ وقفوا لي ووقفتُ لهم ببابِ بيتٍ في تلكِ الحارةِ من ذلكَ الشارع ، تعرَّفتُ على ذلكَ العدو ، انَّهُ صديقي ، أخي ، وجاري الذي أصبِّحُهُ بالخير كل يوم ، تاركاً ذلك الفدائي الفلسطيني لوحده ، ولم يأتنا حتى ذلك الطابع الذي مازلت احتفظ به ولم نذهب إليهِ فهوَ يعرفُ بأنَّه سيبقى وحيدا في الميدان .
كريم خلف جبر
————————–
*عماد : هو عماد عبد الرزاق سكر الذي تطوع مع الفدائيين عام 1973 واستشهد في جنوب لبنان ، كان معي صاحبته في الصف الأول والثاني متوسط ، مثقف جدا مال الى المواظبة على قراءة الروايات والكتب الفلسفية فتأثر كثيرا بمفاهيم لا احد يعرف أسرارها ثم قرر أن يختار طريقه الذي لم يستطع احد منا أن يثني عزيمته عنه .
منبر العراق الحر منبر العراق الحر