قصة قصيرة (ليلة صيف)….منى الصراف

منبر العراق الحر :
نحن من نصنع الأحلام في قلب طفل ونعلّمه أنْ لا شيء مستحيل، ونوقد مصباحاً سحريّاً رغِبْنا جميعاً في امتلاكه، لنصحو بعدها ونتعلّم الصمود بهذه القسوة.
عنده أحلام- قد تبدو للبعض بسيطة جدّاً- كحقيبة مدرسيّة بعجلات –مثلاً، لأنّه كان يشكو من ثقل تلك الحقيبة، وطريق مدرسته كان بعيداً، طفل لم يتجاوز التاسعة من عمره نحيف رقيق وزن حقيبته تعادل وزنه مرّتين، أحياناً أخرى كان يرغب في زيّ مدرسيّ جديد، لأنّه كره انتظار ذلك الزيّ حين يُغسل وهو ينظر إلى الحبل بتوسّل كي يسرع في تنشيف ملابسه،
ويرغب أيضاً بنظّارة طبيّة تساعده على القراءة والكتابة، هو الوحيد بين أقرانه في صفّه كان يعاني من ضعف البصر، لكن مع هذا كلّه كان يُلقَّب بالعبقريّ الصغير لشدّة ذكائه، وحين يسرح بأحلامه بعيداً ويدلّل نفسه؛ يتمنّى أن يمتلك عصافير ملوّنة وحوض أسماك صغير كما لدى صديقه المدلّل الوحيد لأهله.
كره أكل الخبز المغمس بالشاي المرّ؛ الشيء الوحيد الذي كان يسدّ جوع وقت العصر، لأنّهم لا يمتلكون السكّر فتضطرّ والدته أن تعطيه بعض حلوى رخيصة يضعها في فمه ويشرب الشاي.
سأل والده يوماً:
-يا أبي.. كيف أكون غنيّاً؟
ردّ عليه والده:
-عندما نستطيع الاستغناء عن الكثير من الأشياء التي نرغب فيها!
قال الولد مستغرباً:
-إذن كيف كنت تقول لي إنّنا إنْ فكّرنا كثيرا نستطيع أن نصنع المستقبل؟!.. وأنا العبقريّ الصغير!
-السعادة لا تجلبها كثرة امتلاكنا الأشياء يا بنيّ..
وإنّ أرخص الأشياء قد تجعلنا سعداء..
هذا آخر حوار دار بينه وبين والده الذي اعتاد على دخول السجن بين الفينة والأخرى، فهو لا يعرف الصمت في زمن الفوضى ..!
كانت تلك الأسرة تعاني أنواع مختلفة من المرارات في غياب الأب وذلّ الزوجة لتوفير لقمة عيش لأولادها الصغار،
الفقر نخرهم حتّى العظام ولم يمنحهم الرحمة
الفقر ليس رحيماً على الفقراء !
بعد سنه كاملة؛ استقبلت العائلة الوالد العائد من السجن بين دموع وأحضان وحديث زوجة وأوجاعها في غيابه، وتوسّلاتها أن يترجل من صهوة جواده ويسير كما هم باقي خلق الله قائلة له:
ألمْ تتعب من السجون وهذا الغياب؟.. ألا ترحم بحالي ووحال أولادنا؟.. أرجوك كفى.. هكذا كانت تتوسّله بعد كلّ عودة من السجن.
في إحدى ليالي الصيف الحارّة من شهر تمّوز، كانوا يلوذون إلى سطح الدار لاستجداء نسمة هواء تجعلهم يضعون أحلامهم تحت الوسادة، ونور القمر يشقّ عتمة لياليهم، يذهبون بغفوة مع أمنيات كلّ واحد منهم، يسرقها منهم شعاع نور الشمس وهجوم مباغت من الذباب!..
في تلك الليلة الصيفية؛ نام العبقريّ مع دموعه التي خبّأها بين حنايا وسادته التي طالما مسحت دموعه، واستمعت بإصغاء لكلّ أمنياته هبّ نسيم بارد في ليلة كان الحرّ فيها شديدا لا يرحم، غفا مع الأمنيات، حلمَ أنّ السماء تمطر نقوداً؛ عملات ورقيّة كثيرة تتطاير في الهواء وتستقرّ على سطح الدار وبين أسرة أخوته، وكلّ ما كان عليه أنْ يفعله هو أنْ يلملم ما سقط من السماء، اشتدّت سرعة الهواء ورفع عنه (الشرشف) وطار واحتضن الجدار، نهض من نومه متأسّفاً على حلم طار مع الغطاء، لكنّه أصابه الذهول حين رأى أنّ النقود قد غطّت –حقّاً- سطح الدار وتطايرت مع الهواء، فرك عينيه، كبرت حدقاتهما، لم يصدّق ما يراه، ركض وهو يلهث، أخذ يجمع تلك النقود وهو يصرخ : أبي.. أبي.. انهض.. حلمي قد أصبح حقيقة.. انظر لكلّ هذه النقود.. كان –والله- حلماً يا أبي وصار حقيقة، نهض الأب فزعاً من نومة عميقة، لم يحظَ بها منذ أشهر بعد خروجه من السجن، وقد وضع تحت وسادته الرواتب التي استطاع أنْ يتقاضاها بعد معاناة طويلة في المراجعات بين دوائر الدولة المقيتة، الهواء جعل رواتبه تتطاير من تحت وسادته على سطح الدار وولده يلملمها، وقلبه يكاد يخرج من عظام صدره الرقيق، نظر إلى زوجته التي استيقظت هي الأخرى مع كلّ الأولاد على صراخ ولدها وهو يجمع بهذه الوريقات وهي تبتسم، قال له والده:
-أرأيت يا بنيّ؟.. لا يوجد شيء مستحيل.. حلمك حقّاً أصبح حقيقة!.. تستطيع الآن أن تشتري عصافير ملوّنة وحوض أسماك
ردّ عليه الصغير بكلّ فرح:
-أبي.. ونظّارة طبيّة وحقيبة مدرسة بعجلات.
من مجموعتي القصصية ( للخوف ظل طويل )

اترك رد