منبر العراق الحر :
تعد الأزمة السورية واحدة من أعقد الأزمات الجيوسياسية في المنطقة، حيث تشابكت فيها المصالح الإقليمية والدولية، وانعكست التدخلات الخارجية على الأرض بشكل مباشر، مما أدى إلى تحولات مستمرة في موازين القوى. في ضوء المعطيات الحالية، يمكن قراءة المشهد السوري كالتالي:
*أولاً: الانكفاء الروسي والتركيز على أوكرانيا*
منذ الغزو الروسي لأوكرانيا، بدا واضحاً أن موسكو قد قلصت اهتمامها بالملف السوري. هذا التحول يعكس استراتيجية روسية تعطي الأولوية للمجال الحيوي المباشر في أوروبا الشرقية على حساب الساحة السورية، التي كانت تمثل سابقاً منصة استعراض للقوة الروسية في الشرق الأوسط.
روسيا لم تعد قادرة على لعب دور “الضامن” الكامل للنظام السوري، وترك الفراغ في هذا الدور دفع الولايات المتحدة إلى محاولة الانفراد بالملف، عبر تقوية الحلفاء المحليين مثل قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في الشمال الشرقي، والعمل على إضعاف النفوذ الإيراني من خلال العقوبات والتدخلات غير المباشرة.
*ثانياً: تراجع النفوذ الإيراني وصراعاته الداخلية*
إيران، التي كانت الركيزة الثانية في دعم النظام السوري، تواجه تحديات داخلية متزايدة نتيجة الاضطرابات الاقتصادية والاحتجاجات الشعبية، بالإضافة إلى خسائرها الاستراتيجية مثل اغتيال قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس، ومحاولات تحجيم حزب الله اللبناني. رغم استمرار وجودها في سوريا، إلا أن طهران أصبحت أكثر ميلاً لتجنب المواجهة المباشرة، ما قلل من قدرتها على فرض حلول نهائية للصراع السوري.
*ثالثاً: هشاشة الموقف العراقي*
العراق، الذي كان يشكل قاعدة لوجستية مهمة لدعم النظام السوري، أصبح أكثر حذراً في انخراطه المباشر بسبب الضغوط الداخلية والخارجية. التوترات السياسية داخل العراق وخشية الحكومة العراقية من أن يتحول الدعم إلى سوريا إلى نقطة توتر مع الولايات المتحدة ودول الخليج جعلت بغداد تتبنى موقفاً متردداً.
*السيناريوهات المحتملة*
1- سقوط النظام السوري على يد هيئة تحرير الشام
هيئة تحرير الشام، التي تعد الفصيل الأكثر تنظيماً وقوة في المعارضة المسلحة، تسيطر على مساحات واسعة في الشمال الغربي من سوريا. مع تراجع الدعم الروسي والإيراني للنظام، واستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية في مناطق سيطرة النظام، قد تشهد دمشق تحركات داخلية أو خارجية تقود إلى إضعاف النظام بشكل كبير. في هذا السيناريو، يمكن أن تصبح الهيئة لاعباً رئيسياً في دمشق، رغم العقبات التي تواجهها في الحصول على الشرعية الدولية أو الإقليمية.
2- تقسيم الأمر الواقع إلى أقاليم متعددة
التقسيم الفعلي لسوريا يبدو السيناريو الأكثر واقعية في ظل المعطيات الحالية. الأقاليم الثلاثة المحتملة قد تتشكل كالتالي:
• شمال وشرق سوريا (قسد): الكرد يشكلون القوة الرئيسية في هذا الإقليم، بدعم أميركي واضح، ويسعون إلى بناء نظام حكم ذاتي. هذه المنطقة، التي تضم الحسكة والرقة ودير الزور، تتمتع بثروات نفطية وزراعية، مما يمنحها مقومات الاستقلال الاقتصادي النسبي.
• غرب سوريا (هيئة تحرير الشام): في حال استمرار ضعف النظام السوري، قد توسع الهيئة نفوذها لتشمل مناطق إدلب وحماة وحمص، ما يعزز سيطرتها العسكرية والإدارية، خصوصاً إذا استمرت تركيا في تقديم الدعم غير المباشر.
• دمشق والمناطق المحيطة بها (النظام السوري): النظام قد ينحصر في العاصمة ومحيطها، ليشكل “دولة مصغرة” تعتمد على الدعم الإيراني والميليشيات الموالية.
*المتغيرات الدولية وتأثيرها على الخارطة*
رغم أن هذه السيناريوهات تعتمد على توازن القوى الحالي، إلا أن تطورات عسكرية أو تفاهمات دولية يمكن أن تعيد تشكيل الخارطة. على سبيل المثال، إذا توصلت الولايات المتحدة وتركيا إلى تفاهمات بشأن مناطق النفوذ الكردي، قد تتقلص مساحة قسد. بالمقابل، إذا استمرت روسيا في الانسحاب التدريجي، قد تتقدم المعارضة المسلحة بشكل أسرع.
التحديات أمام هذه الرؤية
• صعوبة الاعتراف الدولي بالتقسيم: رغم أن التقسيم قد يصبح واقعاً على الأرض، فإن المجتمع الدولي قد يرفض الاعتراف به رسمياً، مما يبقي سوريا في حالة من “الصراع المجمد” المشابه للوضع في أوكرانيا أو قبرص.
• المقاومة المحلية: القوى المحلية، سواء المعارضة أو النظام أو حتى المكونات العرقية، قد ترفض التقسيم وتستمر في محاولات السيطرة على كامل التراب السوري.
• الدور التركي: تركيا تلعب دوراً مزدوجاً، فهي تدعم المعارضة المسلحة لكنها في الوقت ذاته لديها مخاوف من توسع النفوذ الكردي على حدودها. هذا الدور سيظل عاملاً حاسماً في تحديد مستقبل سوريا.
*الخلاصة*
تواجه سوريا مستقبلاً غامضاً، يتأرجح بين احتمالات السقوط الكامل للنظام أو التقسيم إلى أقاليم متصارعة. مع تغير الأولويات الدولية والإقليمية، يبقى مصير النظام السوري رهناً لتطورات الأحداث على الأرض والقدرة على صياغة تفاهمات دولية وإقليمية شاملة. في غياب هذه التفاهمات، قد تصبح سوريا نموذجاً آخر للصراعات طويلة الأمد التي تُبقي شعوبها في حالة من المعاناة المستمرة.
..كاتب سياسي…
منبر العراق الحر منبر العراق الحر