منبر العراق الحر :
توحي أجواء الشتاء العراقي كأنها قصة حب سرية، لا تدري كيف ابتدأت أو انتهت، ومثل جميع المواقف والأحداث الجميلة تمر سريعا، فتنقب بالذاكرة عنها لعلك تسترد البرد والدفء، المطر وعالمه المفتوح على التأمل، والمشهد الذي تبدو فيه البساتين، وأحياء بغداد وحدائقها الزاهية، مناخ غائم وروائح عجيبة يأتي بها المطر من السماوات التي يسافر منها إلى الأرض.
الشتاء أقصر الفصول في العراق، وأحيانا تمر السنة، دون أن تجود بشتاء مكتمل النمو، لهذا فإن أجواء الشتاء، والبحث عن الدفء يذهب بك ليس للملابس الثقيلة أو الاقتراب من موقد الحطب، و”الصوبة”، وإنما في ذكريات راسخة بأعماق الروح والوجدان، وجوه الآباء والأمهات والأحبة، الراحلون قبل العناق الأخير.
تلك الشجرة العالية الجرداء كانت تشكل مع الجو الناقع بالغيم والمطر، تجريدا يشبه دورتنا بالحياة، وللأغنية زمن وتأثير نفسي يحفر لها أثرا نفسيا، كذلك صورة النخيل والأشجار يوم كانت بغداد تشبه البستان الكبير، ولا تشعرك بالغربة أنت القادم من مدن النخيل.
وللتمر حكاية مع الشتاء عندما يختلط بالراشي “الطحينية”، وللمطبخ العراقي قصص مع الشتاء والمطر، روائح الطعام النافذة مع ظلال المطر تنقلك لحالة من المكوث مع اللذة والمذاق المتناغم مع الأجواء، كبة حامض شلغم، ” تمن ماش”، طقوس الإشتهاء تبعث على الدفء والتغيير الغذائي المصاحب للبرد، وبين بقلاوة ” أبو حمزية ” في محلة الصابئة بالناصرية، وحلويات الخاصكي في بغداد، رحلة إشتهاء وتذوق وذكريات طفولة لم تزل تعزف أنغامها على وقع الذكريات.
ما أحلى الشتاء والمطر كأنهما المعادل لجفاف أحلامنا وبؤس حاضرنا الذي يدفع بنا للعيش مع الماضي والذكريات، رائحة الأم والدفء بحضنها، الإحساس بالأمان كلما تأملت بوجه الأب وجماله الذي يعادل الدنيا.
الأشياء الجميلة تمضي سريعا، لا بد أن نعدو ورائها لكي نرتوي قليلا، ولو في لحظة وهم وخيال.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر