منبر العراق الحر :
إن العقل البشري بتكوينه النسبي وحدوده المتغيرة، يقف عاجزاً أمام الإحاطة بالمطلق، فما يتصوره الإنسان عن الله ليس سوى انعكاس محدود لإطار إدراكه العقلي الزمني. لأن التصور الذي نبنيه عن الإله ليس مطابقاً لذاته المطلقة، لأن العقل الإنساني مهما بلغ من التعقيد والعمق، يظل محكوماً بنسبية الزمان والمكان، وهي نسبية تعني أن ما نعتقده اليوم قد يتغير غداً بفعل تطور المعرفة أو تغير الرؤى.
الله سبحانه وتعالى بوصفه المطلق، يتجاوز أي تصور أو إطار يمكن للعقل البشري وضعه. فالمطلق لا يُحاط به، ولا يُحدّ بحدود المفاهيم البشرية التي تتأثر بالزمان والتجربة والتأويل. وإذا أدركنا أن المطلق يتعالى على النسبية، فإننا ندرك أيضاً أن كل العلوم العقائدية التي ينتجها الإنسان، رغم سعيها إلى الاقتراب من الفلسفة الإلهية، هي في جوهرها محاولات بشرية مشروطة بحدود الفهم الإنساني.
إن هذا التفريق بين المجال البشري والمجال الإلهي ليس تقليلاً من شأن العلوم العقائدية، بل هو تأكيد على طبيعتها كنتاج فكري إنساني يسعى إلى تفسير الإلهي ضمن ما هو متاح للعقل. بذلك تصبح العقائد حقلاً بشرياً، يمكن تحليله ونقده وإعادة تأويله، دون المساس بجوهر الإله المطلق الذي يظل بعيداً عن متناول الإدراك.
الإله إذن، يبقى في ذاته سراً مطلقاً، خاصاً به وحده. وكل ما يمكننا فعله هو الاقتراب من هذا السر عبر الفكر والإيمان، مدركين أن كل محاولاتنا تبقى في دائرة النسبية البشرية. إن الإله كما نتصوره هو انعكاس لنا أكثر مما هو انعكاس له. ولذلك، فإن علينا أن نبقي دائماً مسافة احترام بين ما نعتقده عن الله وبين الله نفسه، لأن إدراكنا سيبقى محدوداً، بينما المطلق لا حدود له.
هذا المفهوم يتماشى مع فلسفة التواضع المعرفي، حيث يُقر الإنسان بعجزه عن الإحاطة بكل أبعاد الحقيقة، لكنه في ذات الوقت لا يتوقف عن السعي لاستكشاف المزيد. العلوم العقائدية بهذا المعنى ليست جامدة، بل ديناميكية وقابلة للتفاعل مع التحديات الجديدة والاحتياجات المتغيرة للإنسان.
الإنسان، كائن مستكشف دائم في عالم يتسع باستمرار، وهذا ما يجعل من العلوم العقائدية أداةً لبناء جسر بين الثابت والمتحول، بين الأصول الثابتة التي تشكل أساس العقيدة، والتطبيقات التي تستجيب لحاجات العصر. هذه الرحلة ليست فقط إثراءً للعقل البشري، بل أيضاً تأكيداً على أصالة العلاقة بين الإنسان وحقيقته الروحية.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر