عذرية الإبداع … تهامس مع إحدى زجليات الشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد …

منبر العراق الحر :….أما بعد …
” العلامة ليست وحدة مشفرة ، محددة عبر انتمائها إلى تشفير ما ، بل العلامة عبارة عن حالة زمنية ، لحظة في مسار منفتح باستمرار على التنوع المعارفي..” jean fisette (1)
إن الأثر الإبداعي له مسار ، يعسر توصيفه بلغة التواصل العادي .. حتى ولو حاول المبدع نفسه ، تخمين ذلك .. أو ملامسة صيرورة تشكل طقوسه الحسي..لأن استقراء بسيطا لكثير من الانتاجات ، يكشف عن تكلف ، وتصنع وافتعال في مقاربة لحظة الإبداع الجنينية ، التي تتمنع عن الخضوع للملاحظة الواعية و، لا تكشف للمتلقي سوى عن المظهر الخارجي ، نتيجة تركيبة علاقاتها المعقدة ، بوصفها حالة شعور قصوى ، تتأبي الانصياع لأي أداة تعبير مهما كانت مرجعياتها .. على الرغم أن عملية التركيب والتمثيل ، هاته ، وعبر العلامة ، تعتمد الوقائع الموجودة في العالم الخارجي ، بوصفها أصل الإحالة ومرتكزها … فما يلاحظ أنها غير قادرة على استحضار الحالة الوجدانية ، أو الكل المعرفي لهذه الوقائع والتجارب في جنينيتها .. ، وبهذه الكيفية نجد العلامة لا تنوب عن موضوع القيمة ، وأنها لا تستوعبه إلا جزئيا ، يعني ، عبر تمثيل جزئي فقط ، … وذلك هو شأن النص أو الخطاب الإبداعي بوصفه علامة … فالممارسة الإبداعية الإنسانية ، تجعل الموضوع كيانا يكبر العلامة ويتجاوزها .. ومن ثمة نجد الحاجة ماسة إلى تعدد قراءات هذا النوع من الخطابات ، لانفتاح العلامة على التجربة الإنسانية في حميميتها .. ، فالمبدع / ذات الحالة ، sujet d’état ( 2) الذي يحيا عمق حالة الإبداع ، نرى أنه يعمد إلى استغلال الإبداع نفسه لملامسة الآثار الجمالية لفضاء الإبداع ، وقد ترك هذا الأخير أثار بصماته في وعيه الجمالي … فما أصعب الحديث عن الإبداع الجمالي باللجوء إلى الإبداع الجمالي نفسه .. لأن الفضاء الذي ( يمارس فيه الشاعر نقده هو تفسير العملية الإبداعية وولادة القصيدة في نفسه ، فإن هذا النقد في هذا المجال يمكن أن نعده معرفة يقدمها الشاعر وتجربة يكشف عن أبعادها ) ( 3 ) فقد يعتقد البعض أن الحديث عن ذلك ، يسهل عبر استغلال تمظهرات الأثر الفني الذي قد يصبح نوعا من الافتعال ، خالقا زعما إبداعيا لدى بعض المتطاولين على توصيف لحظة الإبداع هاته … لأمر بسيط أن التصنع والافتعال لا يلد سوى التصنع والافتعال ….. والهجانة والشذوذ في استيلاد أشكال التعبير ونسخ التصوير التي لا تتمخض سوى على كائنات شاذة ….
فتوسيل الحس الإبداعي ، للحديث عن حالة الإحساس بعمق العملية الإبداعية لا يتأتى لأي كان ..وحتى مقاربتنا لذلك سوف نحاول فيها ملامسة تخوم هذه التجربة ، من خلال تفاعل إحساسنا مع البعد الجمالي الذي قد يضن به العمل الفني … ومن هذا المنطلق أيضا سأحول الوقوف ، على مظاهر الآثار الجمالية التي تروم توصيف عذرية …. الإبداع الجمالي في زجلية الشاعر المغربي محمد عزيز بنسعد… زجلية قد ترك عنونتها للمتلقي لأمر قد يعود ، في اعتقادي ، إلى الانفتاح الاحتمالي الذي لامسته في هذه التجربة وكذا لتوترات العملية الإبداعية نفسها…
لأن الشاعر ، في هذه التجربة ، كما أعتقد ، قد عاش الحدث مخاضا وتجربة .. فيها اختلط الحلم بالحقيقة والخيال بالواقع .. لكن في درجة من الوعي القصوى ، قذ يسميها البعض حالة اللا وعي ، نحو تمثيل عالم من الإحساس الجمالي هو دائما قيد البناء ، لأن ( الأثر الأدبي لا يغدو ممكنا تعريفه كأثر ، يشتغل ، بوصفه ، صورة استثنائية ووظيفة جمالية ، بل يجب أن يعرف في الواقع كإبلاغ لغوي تكون فيه الوظيفة الجمالية مهيمنة ) ( 4 ) فمن خلال آثاره نحس أن كينونة ذات الحالة / الشاعر ، لا زالت ترهص بأثر تجربتها اللحظية هاته ، … التي فيه تنقلب الكلمات إلى شفرة جمالية لحظية .. في محاولات من الشاعر لملامسة تخوما ، تحتضن فضاء الانصهار بين حرارة الحس الجمالي / وأدوات التعبيرية ، مخترقا بذلك سنن التأليف الزجلي المعروف .. حتى أنه قد يعيش هو نفسه حالة انبهار أمام ما تم إبداعه ، أمام جنينية المولود الجديد.. ، لكونه كان في غربة وجدانية .. تحتكم إلى معايير حالة الوعي القصوى … وما امتدادات هذا الفيض الحسي عبر هذه القصيدة ، سوى علامات نبض على توترات وجدانية لذات استفزتها ادعاءات منسوبة إلى طقوسية الإبداعي الشعري … ولا أقول الزجلي … ، لأنني أتعامل في هذه القصيدة وغيرها ، مع التجربة في عمقها لا مع أداة التعبير عنها ..
لذا سأنطلق من فرضية(5 ) ترى أن للدلالة نفسها ، وليس فقط لذات الإبداع ، أثرا على العلامات المؤولة عبر مسارات السيميوز ( 6 ) ، بوصف الدلالة في هذا المسار ، نوعا من الحدث أو الأثر التزامني ، اللحظي ، قصد الإمساك بها ، لأنها ناتج فعل سيميائي يتخلق عبر تفاعل العلامات ، مما يؤدي أولا ، وعلى مستوى الإنتاج ، إلى وجهة نظر تزامنية … تختزل المسار السيميائي ، في كونه يرتهن إلى إعادة الخلق الذي أنجزته ذات الإبداع / الشاعر بوصفها مؤولا ، وناقدا لطقوس التجربة الإبداعية ، ولجنينيتها ، في حالة الوعي القصوى ، ثم ، ثانيا ، على مستوى ذات التلقي / التأويل في محاولة منها ملامسة تخوم التجربة الإبداعية في حميميتها كما عاشتها ذات الإبداع ، لأن ( الأثر الفني موضوع جمالي ، قابل للتأويل ) ( 7 ) وذلك عبر التفاعل مع إرهاصات أو تحفيزات السياقين الداخلي والخارجي للقصيدة / التجربة … لأن التمظهر الإرهاصي شيء موجود عبر التأثيث الدلالي لفضاء أي تجربة / خطاب ، لكنه يستدعي منا الاحتكاك به ، والبعد الجمالي ، بدوره ، حاضر في الخطاب الإبداعي ، لا يمكن للذهن أو الإحساس أن ينكره ، أو يستبعده ، والمتلقي مدعو للتعرف عليه ….
لذا فقد حاولت ذات الإبداع / الشاعر أن تنقل هذه المشاعر والتصورات عبر اللغة الزجلية ..التي عملت على تطويعها باحترافية جمالية،. لكي تستجيب لتمثيل حالة الإبداع القصوى ، ومن ثمة فنحن لا نقرأ ، في هذه التجربة ، كلمات بل علامات حبلى بشحنات عاطفية ومعرفية ، فيض من الصور الشعورية التي استمدت وجودها من الواقع المعيش لكن بعد ما عبرت مصفاة الإحساس… (8 ) التي حولت أداة التعبير إلى علامات منفتحة ، خالقة … ، كما سنرى ، فاستحالت علامات نوعية على الحس الفائض.. بل على سيولة حسية ، قد انبجست لتوها من شرايين الحس الفوار بحرارة التجربة …وهذا ما تؤشر عليه أيقونة ذات الحالة / الشاعر ذاته ….

(محمد عزيز بنسعد ) ….
ثم على سيولة مدادية عبر الاستهلال التالي :
فيض يا لمداد
روي عطش لبلاد
فعلى مستوى البناء الشكلي توزعت هذه القصيدة ثلاثُ نبضات :
ــــ الأولى .. يستهلها صوت النداء من :
فيض يا لمداد … والذي يمتد إلى : وتعرش المعاني في لحواض
ــــــ الثانية … شح النبض … تستهلها حروف الشذوذ الزجلي .. :
من حروف الزنى ..إلى : يقول سبقت
ــــ أما النبضة الثالثة : فقد استهلتها أنا حروف الجمال الشعري بعدم نالت حظها من هذا الفيض :
أنا اللي زوقت الكلمة … إلى : وفضحتها في كل ناحية …
أول النبض :
… إننا أمام استهلال احتمالي يحتوي مؤشرات / عبارة عن علامات نوعية signes qualité ( 9 ) هي ذاتها نابضة بمؤولات تومئ إلى إرهاصات نوعية عن موضوع القيمة الجمالي … وأن هذه العلامات تهفو إلى أن تتجاوز دلالتها التواصلية بل الفنية إلى التأشير عن حالة طقوسية لتجربة حسية توترية مضمرة قد تبدو آثار صدقها عبر ملامح الصورة الأيقونة ( انظر صورة ذات الحالة / الشاعر المرفقة ) بوصفها خطابا أيقونيا لا أقول موازيا بل منتجا دلاليا شأن الخطاب اللغوي .. كلاهما يحتوي مؤشرات لسانية وأيقونية ، تتفاعل عبر تشاكل دلالي نواته توترات حسية تتصارع فيها حالتا الفيض والنضب … نضب سنرى جذبه على مستوى شح النبض الثاني … بينما الفيض المدادي، سيتم انتشار خصوبته على مستوى النبض الثالث لأنه بمقتضى المنطق السيميائي فإن استدعاء ذات الحالة / الشاعر لحالة الفيض يقتضي ، حضورا لحالة النضب ، وانعكاس آثارها الهجينة على الإنتاج الإبداعي على مستوى تخصيب ( لبلاد ) ومن ثمة ، فإن هذه الأخيرة ، وعلى مستوى السياق الزجلي ، ستصبح مؤشرا ،على موضوع القيمة بوصفها فضاء لجمالية الإبداع ، فهذه العلامة ، قد تم استعمالها بأساليب مختلفة في مجال الإبداع الأدبي … تارة تواصلية وأخرى فنية متكلفة ، لكن قليلا ما تلبست زيها الجمالي .. فحينها تتخلى عن علاقة تمثيلها لأشياء العالم أو لحالاتها (10) بل إنها استحالت في هذه التجربة إلى جسر بين ذات الحالة / الشاعر وفضاء الإبداع … مؤول ذلك أن الحالة الإبداعية ليست عملية فك تشفير ما ولا حتى هي إبداع على إبداع ، فقط ، وإنما هي ، قبل هذا كله ، عملية تركيب جمالي وليست محاولة للتعبير من أجل التعبير … ؟؟
ولنلاحظ هذا التوتر الإبداعي الذي نلمسه على مستوى الاستهلال بين حالتي النضب والخصب بوصفه مؤشرا على حالة استنفار ذات الحالة لحواسها ردا على استفزازات تجارب التعبير من أجل التعبير ، المتطاولين على مجال الإبداعي الزجلي .. تقول ذات الحالة / الشاعر :
فيض يا لمداد
روي عطش لبلاد
ترابع لقصايد
تحيا لحروف
وتعرَّش لمعاني في لحواض
ـــ حروف الزنى والنضب الدلالي :
في هذا المقطع نقف على مؤشرات هذا العطش الذي ساهم فيه انتشاره.. النضب أو الجفاف الدلالي الذي تعاني منه ( لبلاد ) فضاء الإبداع ، جراء انتشار نوع من التزجلل (( 11) لا سياق له ، ولا مناسبة تتبناه … ولا ولادة شرعية تحتضنه …. فحين كثر هذا النمط الذي ينساق وراء ما يطلبه المستهلكون … اعتقد هؤلاء أن الساحة الأدبية أصبحت حكرا عليهم … الشيء الذي حرك أنا الإبداع .. لتثور على هذه التجارب اللقيطة والكتابات الهجينة … عبر النبض الثالث الذي من خلال سنقف على تشريح دلالي ، ولا أقول شرحا لغويا ، عمدت فيه ذات الحالة / الشاعر إلى وصف ، الولادة الشرعية للتجربة الإبداعية الجمالية للخطاب الزجلي سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون

النبض الثالث :
فإذا كان عطش البلاد إلى المتعة الجمالية ، ولهفتها لاستعادة كينونة الحرف شكلا ومضمونا ، كما أشر على ذلك مطلع هذه التجربة فإن النبض الثالث يعد امتدادا تأويليا للتوتر الحسي الاستهلالي ، واحتجاجا على شح النبض … عبر صرخة الأنا وهي تسرد سيرورة وصيرورة ولادة التجربة الإبداعية … روحا وقصيدة وحرفا ثم معاني … كانت تنعش فضاء البلاد …عبر هذا التكثيف التركيبي الذي يوثق ذاتية الشاعر في خوضها لغمار هذه التجربة … تقول ذات الحالة :
أنا للي …
تأكيد يتم عبر دينامية أفعال للخلق والإنجاب ، في فضاء عذرية الإبداع حين يفيض لمداد بل الإحاساس.. ( زوقت / فيقت قطعت / نصلت ) … إيقاع ( 12 ) يؤشير أولا على ذاتية الحركة الإبداعية في التصوير / زوقت الكلمة / حيث تصبح الكلمة علامة حبلى بالتوقعات ، منفتحة على فضاء الاحتمالات .. ….
ثانيا تأويل لجوهرية وبنوة المعنى الجديد التي ، تفتح مسارات الدلالة عبر حركة الأسيقة التفاعلية تبعا لتعالق كلية العلامات المشكلة لهوية الموضوع الجمالية في هذه التجربة … / فيقت الحلمة / إنها حركة استثار لحالة الوعي القصوى … المشار إليها سابقا .. ( الحلمة ) نحن أمام فضاء الخيال الخلاق ، في حضرة عالم الرؤيا ، التي تشرق في ظلام الوحدة … لحظة صفاء الروح أو لنقل نور الإحساس الذي يكشف عن عذرية الكلمة والحلمة … مؤول ذلك قول ذات الحالة / الشاعر :
وخليتها تخرج كما ولدتها أمها
حيث تتحول القصيدة إلى كون من العلامات الحبلى برؤيا الاحتمال … انفساخ عن رؤية الأشياء نحو رؤيا الروح .. حالة وعي قصوى ، تتلبس معها الأشياء جمالية التوقع .. معرفة جديدة .. أي عالما جماليا يفهم عبر لغة جمالية … كيف يحدث هذا…. استمع إلى همس ذات الحالة / الشاعر تقول :
بلا معنى
بلا سر
بلا فتيل حبل …
زعمة
انا اللي قطعت رْباطها
وخليتها تجري سفَّاحية
انا اللي نصلت كَماطها
وفضحتها في كل ناحية

فاسأل الشاعر ، بل اسأل هذه التجربة عن مسار هذه الولادة الإبداعية … التي لن تنتظر منها معنى أو دلالة مباشرة ..فهي وليدة رؤيا الشاعر … لذا فمن أرادها فعليه بعين الرؤيا (13 ) لا عين الرؤية … ولأن لها أبوة واحدة .. انتساب واحد …. فإنها بريئة من الشبهات , وتعدد الأنساب ؟!؟
محمد مهيم محمد / المغرب /

إحالات … :
1) Jean Fisette introduction à la sémiotique de C.S peirce , collecion et documents p 9 .
2) A.J.Greimas, et,Fontanille :théorie et pratique sémiotIque,portée volume 21, numero 2 1993 . p :8.
(3 د. هشام عبد الله : التجربة الشعرية العربية .ط.أولى .. 2013 / 2014 ..دار
(4 أنور المرتجي : سيمياء النص الأدبي .. إفريقيا الشرق .. 1987. ص : 25/26 .
5) Amberto Uco : Lector in fabula , Le role du lecteur … p :25
(6سعيد بنكراد : سيرورة التأويل …ط : أولى .. منشورات الاختلاف ..2012..ص : 346 .
(7أمبرطو إيكو : الأثر المفتوح ، ترجمة عبد الرحمان بو على ، ص : 8 ، ط : ث .. 2001 , دار الحوار للنشر والتوزيع ,
8) Dogan Gunay :La dimension passionnelle du discours,université ,Dokuz Eylul,Faculté de pedagogie de buca …
9) Claude Morier, Lausanne . p :5 n : 9 Mars 1971.
10) Jean-Marie-Chevqlier : Institut jean Nicod/universitéParis…
11) د عباس بن عبد الله الجراري : القصيدة ..ص : 47 …
12) Le rythme, le sens,la sémiose :::introduction à une lecture de Gauvreau ::: porté ,18-1,1990,numérà thématique ;intitulé*rythmes p :47-58
13) المعنى الأدبي من الظاهرية إلى التفكيكية تأليف وليم راي ترجمة د يوئيل يوسف عزيز دار المامون للترجمة والنشر ط أولى.. ص 141..
ــــــــ التجربة …:
فِيضْ يا لمداد
روي عطش لبلاد
ترجع فيها الروح
تربَّعْ لقصايد
تحيا لحروف
وتعرَّشْ لمعاني في لحواض .
حروف الزْنى
ولدات كلام العرَّاضْ بلا وقت
ومللي مالت الوزنة
عاد اللي فاق بكري
يقول سبقت .. !
انا اللي زوقت الكلمة
انا اللي فيقت الحلمة
في نصاصات الظلمة ..
وخليتها تخرج كولدتها امها
بلا معنى
بلا سر
بلا فتيل حبل …
زعمة ،
انا اللي قطعت رْباطها
وخليتها تجري سفَّاحية
انا اللي نصلت كَماطها
وفضحتها في كل ناحية .
ما حدهم كيشوفو روسهم كبار
وهوما كيبانو صغار في عينيا

 

اترك رد