منبر العراق الحر :
يغازلني حلم جميل ، منذ زمن بعيد ، يغريني ببريق اقماره ،
التي يزين شعاع ضوءها سماء قلبي المظلمة ، ولكن غيوما من هواجس الهموم تؤرقني ، وكوابيس حزن ،:تنهال على صدري ، كأنها زحف قبائل همجية ، تجثم على قلبي ، تغتال بأسنتها المميتة فرحتي ، وتنصب كمائن الحزن ، لتصطاد ابتسامتي ، قبل ان تنغمر نسائم تلك الابتسامة في اسارير وجهي، لاجديد تحت الشمس ، هو انا ، شبيه ذلك التمثال الحجري الذي لازال يتوسط أكوام الاجساد المتفسخة التي تنبعث منها رائحة العفونة،
ولاجديد تحت الظل ، هو انا، ذلك الذي ينساب بحذر مع الخيط الرفيع الذي يتموج كالافعى في سم الإبرة ، يحاول ان يخيط صور الذكريات الممزقة، التي تختزنها ذاكرتي،
لم تكن ايامي سوى اماكن مزدحمة بالصخب والفوضى ، تضج كضجيج أفواه اطفال جائعة في سنوات القحط، لاجديد اليوم تحت الليل، هو انا، ذلك النديم الذي ادمن سماع تردد الصدى البعيد الذي يملأ أرجاء المدن القصية، كانه عواء ذئب يبحث عن فريسة طازجة ، تختبأ في كهوف الوحشة ، وترتعد فرائصها من شدة الخوف والذعر ،
الذكريات التي تدور في ذاكرتي متشحة بالعتمة، لم تكن سوى صورا باهتة او اصوات صفير اوجاع لا تهدأ، ، لاجديد تحت ظل المكان، هو انا ، الذي يبحر في زورقه الخشبي القديم ، الذي تذروه رياح الغربة ، و العابر بحار الحزن بلا اشرعة ، ولا مجاديف، اناجي خلسة حلمي الجميل بحزن عميق ، مثل شاعر يمزق وحشة الليل بقصائده ، حلمي الذي لازال غائبا ، كأنه شمس غيبتها السحاب ، تعال لي ، خذني اليك ، فقد سئمت الانتظار امام المرافئ التي لا تاتي الينا ، بالسفن المحملة بالسعادة ، خذني إليك حروف قصائد عشق ، تمقت اللغات ، واكتبني اغاني فرح ، ينشدها بريق النجوم الراقصة ، وارسم ايامي الاتية ، لوحة ماطرة بالسعادة ، بلا خطوط وهمية ولا الوان مزيفة ، لنرحل سوية ، الى مدن السماء ، تعال لي ، لا تكابر بصمتك ، وتكبت احزانك ، تحاول ان تخبئ جرحك النازف ، خلف ضماد ملوث بالآهات والحسرات ، تمزقه خناجر الزمن ،كانها مخالب وحوش جائعة ..؟
تعال لي، و خذني إليك شغفا سقيما، يئن من وجعه ، كأنين أم فاقدة لوليدها ، او كوحشة كسرة خبز متيبسة من بقايا طعام على موائد المتخمين بالبلادة، والسذاجة، الذين تتضور بطونهم من شدة الجوع إلى ملح الضمير ،
تعال لي ، فقد اتعبني الترحال بين مدن الذكريات الخاوية ، كانها مفازات اشباح ، تضج باصوات العواء والخوف ،و قد هجرتها اشجار الحقول ، و مياه الجداول و زقزقة العصافير، و تغريد البلابل و اغاني الطيور ،
تعال لي ، فان قلبي صغير جدا ، كقلب طفل، لاطاقة له بهواجس الايام العاصفة ، كانه قشة تتلاعب بها جبال من الأمواج المتلاطمة ، قلبي لم يملك اذرعة قوية كأذرعة القراصنة لتمسك المجاذيف وصواري الاشرعة، او كقلب جندي كسيح ، يئن من وجع جراحه ، بعد ان فقد ساقيه في معارك خاسرة ،
يا حلمي البعيد ، الذي شاح بوجهه عني في الليالي المظلمة، هو ذا انا صاحبك القديم ، الذي كنت تغازله قبل ان تدوس اضلاعه اقدام التتار ، ليس من الوفاء ان تغادرني عند احتدام المعركة مع الظلام، وتتركني وحيدا ، اواجه همجية قبائل الهموم ، بلا ذراع يحمل سيفا ، ولا ترس يحميني لأصد به السهام ،
يا حلمي الجميل، الذي كان يرسم بريشته حدود كياني، بمقاسات الوهم ،كن واقعيا ، ولا تغريني بصورة خيالك المتمرد ، وتجعل مني قويا ، كصورة اسد مفترس على جدار متهالك، فانا اضعف من قطة ، تخشى عواء الكلاب …
خذني إليك رفيق سفر ، لنغادر سوية هذا المكان ، ونرحل بلا امتعة ، بعيدا عن قبح هذا الزمان ، فإن الأزمنة هناك مختلفة والاماكن هناك مختلفة ، الى عالم اخر، لا يعرف الكذب و لا يمتهن الخداع، ولا يتاجر بالغش ولا تعتريه وقاحة الظلم، و لا تشوبه عتمة الظلام ، ولا يحترف صنعة سفك الدماء ، تعال لنحلق بعيدا في سماء صافية ، تشرق فيها شموس الصدق والحب و النقاء على قلوبنا المتعبة ، و هناك نكتشف حقيقة الاشياء بوضوح.
عبد الكريم السعيد
العراق
منبر العراق الحر منبر العراق الحر