الدولة السورية أم الدولة الإسلامية أم الدولة العربية؟؟؟..د.قيس جرجس

منبر العراق الحر :إلى من يهمه الأمر في بلوغ دستور وطني عادل لدولة حديثة قابلة للحياة…

=
الدولة الحديثة ومعاييرها:
ثلاث حقائق اجتماعية وثلاث إشكاليات وثلاثة معايير في السيرة الذاتية للدولة الحديثة…
ثلاث حقائق اجتماعية:
المجتمع أساس وواقع طبيعي
الدولة بناء سياسي ثقافي صنعي
أي نظام سياسي في دولة لا يبنى دستوره على عقد اجتماعي، يحترم ثلاث سلطات طبيعية بمثابة حقائق اجتماعية، سيسقط مهما حاول بالقوة فرض رغباته وأهوائه وأيديولوجيته وشهوته التسلطية…
السلطة السياسية لا تستطيع أن تقهر ثلاث سلطات طبيعية إلى أمد طويل مهما بلغت من القوة المصطنعة:
سلطة التاريخ
سلطة العقل
سلطة الديمغرافية الاجتماعية
سلطة التاريخ:
التاريخ ليس الماضي فقط، بل يضعك في مواجهة الحاضر والمستقبل، والتاريخ أو التطور الاجتماعي التاريخي نهر يحفر مجراه، والماء لا يعبر في النهر مرتين، فأي أيديولوجية سياسية تريد أن تستعيد مثال تاريخي لدولة ما في الماضي، ستصطدم بواقع اجتماعي اقتصادي ثقافي مختلف بكل الأشكال والأدوات والمفاهيم والطرق والحاجات والمصالح، وهذا ما يجعلها ضحية وهم تعمل لتحقيقه بالقمع والقوة والاستبداد، وبالتالي الاصطدام بتحديات كثيرة داخل المجتمع وخارجه…
سلطة العقل:
كمنتج طبيعي للعلم والمعرفة والقوانين والتشريعات بكل تنوعاتها، بما يخدم مصالح الإنسان والمجتمع استجابة لتحديات جديدة ومستجدة دائما في تحقيق وتأمين مصالحه الأولى في الحياة والارتقاء…
فما كان سائدا في الماضي من أشكال وتشريعات وأدوات في الماضي لا تصلح لحياة المجتمع في الحاضر وفي المستقبل المنشود…
سلطة الديمغرافية الاجتماعية:
بما تعني من التوزع السكاني، والتواصل العمراني المضطرد، ودورة الحياة الاقتصادية الاجتماعية التي لا تقف عند حد معين بمعية تطور الاقتصاد وأدوات الإنتاج وتطور وسائل الاتصال والتواصل، فالمجتمع ليس مجرّد أفراد وجماعات معزولة مقلوعة من الأرض وموجودة في فراغات معينة، بل هو حقيقة مجموعة متحدات بسيطة ومركبة، أي مجموعة قرى وبلدات ومدن، تجسّد تجسيدا ماديا روحيا لوجود الجماعات والأفراد على هذه الأرض، والتي تدور رحى حياة الجميع في هذه المتحدات وتتشابك وتتشارك وتتفاعل عاموديا وأفقيا بدافع تأمين مقومات الحياة وإنتاج ما يلزمها من بيوت وطرقات ومعامل ومؤسسات وغير ذلك، فليس هناك متحد واحد ملكا لجماعة ما منذ بداية نشوئه بل هو ملك لمن استوطن به من جماعات مختلفة ما لبثت أن ذابت في بوتقته وانطبعت بطابعه، فأضحت الجماعة القائمة على رابطة معينة تتمايز وفقا لتوزعها على كل المتحدات…
هذا ما أنتج هوية المتحد الاجتماعي، أي الهوية الوطنية، والدول الوطنية الحديثة القائمة على تلك الهوية، وتم تجسيد ذلك في عقد اجتماعي ودستور وطني على أساس تعبيري عبّر عن هذه الحقيقة الاجتماعية الجامعة بحقوق المواطنة التي تساوي بين جميع المواطنين المستقرين في الوطن…
وهذا الأساس التعبيري لا يتم الانتخاب عليه في الدول الحديثة كما يتم الانتخاب على السلطة التنفيذية والتشريعية كل أربع سنوات…
هذا الأساس هو في صلب وحدة المجتمع الذي يكتب للنظام السياسي القائم عليه الاستمرار…
وهذه الهوية هي التي حسمت تسمية الدول باسم الجغرافية الاجتماعية السياسية القائمة عليها في بداية العصر الحديث…
فلو قرأنا التاريخ جيدا لرأينا هناك ثلاثة أشكال للدول تغيرت بتغير الهوية التي تبنتها:
في زمن الهجرات الأولى
مع نشوء متحد المدينة ظهرت دولة المدينة، دولة بهوية الجماعة العرقية الدموية، هوية السلالة المسيطرة مثلا كدولة بابل والبابليين ودولة الأراميين ودولة الحثيين، وفي أوروبا أيضا كان هناك دولة الجرمان والنورمانديين والسلتيين والفرنج ودولة روما والرومان، وقد كانت الدولة عبارة عن قوة تمد سيطرتها على المناطق التي تصلها…
وفي زمن القرون الوسطى:
مع ظهور الدين كرابط عقائدي قوي جدا ظهرت الدولة الدينية بهوية الجماعة الدينية، وأخذت الدولة شكل الإمبراطورية كالدولة الرومانية المقدسة والدولة الجرمانية المقدسة والدولة البيزنطية والدولة الإسلامية، وقد كان لتلك الدول غاية في نشر الدين أو المذهب ومن ثم بسط سيطرتها بالقوة على كل البلدان التي تفتحها…
وفي هذا العصر لم يعد نشر الدين غاية فالناس جميعها تتوارث مذاهبها وأديانها ولم تعد وظيفة الدولة ذلك إلا إذا أرادت السلطة الحاكمة الاستثمار السياسي في الدين…
وفي العصر الحديث:
مع اختراع الآلة واكتشاف الطاقة وظهور الثورة الصناعية ونشوء الاقتصاد الصناعي، الذي من جملة ما أحدثه من تحولات اجتماعية، هو نشوء المدن الكبيرة التي أضحت دوائر جذب لكل المتحدات الصغيرة المحيطة، وتسريع دورة التواصل العمراني، ودورة التفاعل والتشارك والتشابك الاقتصادي الاجتماعي، وصولا لنشوء الأوطان القومية، والدول الوطنية القومية، واستقلالها عن الإمبراطوريات الدينية في الغرب والشرق…
وهذا ما مهّد لنشوء الدولة بهوية المتحد الاجتماعي، المسمى الوطن، والتطور إلى بناء عقد اجتماعي ودستور يحدد المواطنة كأساس حقوقي متساوي لجميع المواطنين…
ونحن اليوم في خضم تأسيس دولة حديثة بعقد اجتماعي جديد، لا بد من حسم هوية واسم الدولة على أساس وطني عادل، يعبر عن حقيقة اجتماعية، أن سوريا برابطة الديمغرافية الاجتماعية، هي مجموعة المدن التي تجمع كل الجماعات العرقية والدينية واللغوية،
فالهوية السورية للدولة لا تنبذ أي جماعة ولا تقصي أي مكون منها، وهي أساس تعبيري صالح لتشريع حقوق متساوية للمواطنين كي يقوم عليه نظام سياسي قابل للحياة…
والهوية السورية ليست على عداء مع أي دين بل تحضن كل التراث الروحي فيها كغنى ثقافي…
والهوية السورية على هوية الدورة الاجتماعية الاقتصادية منفتحة على مداها الاجتماعي المجاور ومنفتحة على مداها العربي الثقافي والسياسي ولا تتنكر لعروبتها الحضارية…
بينما اسم الجمهورية الإسلامية، يعني أن هوية الدولة “الجماعة الإسلامية” من خلال تجسيد ذلك بمادة في الدستور تقول: دين الدولة الإسلام والمصدر الوحيد للتشريع هو القرآن والسنة على غرار المادة الثامنة في الدستور السابق التي صنعت الدولة الشمولية الواحدية المستبدة…
وهذا يعني فيما يعنيه تحويل المجتمع الى برميل بارود، لوجود التنوع المذهبي والديني والعرقي، والذهاب بتوازن الرعب القائم الآن من خلال دفع القوى السياسية المسلحة على حوامل طائفية وإعطائها الحجة في الذهاب إلى الانفصال والتقسيم، وإعطاء الحجة للدول بالتدخل تخت عنوان ما يسمى حماية الأقليات…
وكما أنتج التطور التاريخي الاقتصادي الاجتماعي تحولات ثقافية وسياسية على هوية الدولة، كذلك كان سببا لظهور شخصية الفرد، بعد أن كان شبه نقطة في موجة الجماعة العرقية والدينية بدون حريات وحقوق تذكر…
ولقد تجسد التطور الفكري والفلسفي والتشريعي الحقوقي وتطور الوعي السياسي عبر مخاض تاريخي من الثورات والنهضات، بظهور حقوق الإنسان، كأساس تعبيري انساني عن حقيقة اجتماعية، تتجسد بظهور شخصيتين حقوقيتين للعقد الاجتماعي:
الفرد- المواطن من طرف والدولة كهيئة اعتبارية للمجتمع والوطن من طرف…
فدون هذا الأساس التعبيري لا يكتب الحياة لأي نظام سياسي يتنكر له بل يدفع بالمجتمع الى الجمود والتخلف والركود والموت البطيء…
وفيما يعني الدولة الحديثة التي هي حاصل ذلك التطور التاريخي الاجتماعي، ظهرت الديمقراطية كمسار تاريخي لترجمة التنوع الاجتماعي الثقافي إلى تعدد سياسي على أساس التجانس الوطني، ووضع سيادة الإرادة العامة التي ظهرت في المجتمع نتيجة نشوء المصالح المشتركة والوعي بذلك في الدولة، وذلك عبر مأسسة الدولة وتجسيد السيادة بسلطتين منتخبتين يتم تنظيم التنافس على السلطتين بين القوى السياسية في المجتمع عبر قانون انتخاب عصري غير طائفي وعرقي…
فالدولة بنظامها السياسي إما أن تفتح الطريق لتطور الحياة وتعزيز الوحدة وتأمين الحيوية للمجتمع بكل تنوعه بوضع دستور يحترم السلطات الطبيعية والحقائق الاجتماعية…
أو تسد الطريق أمام تطور المجتمع وتحقنه بالأوهام التاريخية والإيديولوجية توصله إلى الخيبات والانفجار بحروب أهلية…
==

اترك رد