منبر العراق الحر :
العين، تلك النافذة الصامتة التي تفضح أسرار النفس قبل أن تنطق بها الشفاه، كثيرًا ما تكون أداةً قاسية في الحكم على الآخرين. حين تستقر نظرات الناس على شخص مختل عقليًا، لا تكون مجرد نظراتٍ عابرة، بل محملة بإرث طويل من المخاوف، الأحكام، والفضول المحظور. إن العيون التي ترمق المجنون ليست محايدة، بل تتحدث لغة خفية بين الرهبة والتوجس، بين الشفقة والانفصال، بين الاستغراب والرغبة في الهروب.
بين الدهشة والريبة: العين سلاحٌ اجتماعي
حين يمر شخص يوصف بالجنون بين العامة، يلتفت إليه الناس لا إراديًا، وكأن اختلاله العقلي يكسر إيقاع الحياة المتزن. هناك من يحدق فيه بذهول، يبحث في قسمات وجهه عن سر غيابه عن الواقع، وهناك من يشيح بنظره سريعًا، كأن لقاء العيون قد ينقل إليه عدوى الجنون. النظرة هنا ليست مجرد فعل بصري، بل فعل اجتماعي يُعرّي المخاوف الدفينة التي يحملها الإنسان تجاه اللاعقلاني، تجاه كل من تمرد على النظام غير المكتوب للحياة.
نظرات الشفقة والاغتراب
البعض يحمل في عينيه شفقة لا تخلو من تباعد، كأنما يرى المجنون إنسانًا مبتورًا عن العالم، كائنًا يتخبط في ظلام لا يراه أحد سواه. هذه النظرات، رغم ما تبدو عليه من رحمة، تحمل في طياتها عزلة أخرى، إذ إنها تجعل المجنون “آخرًا”، شخصًا خارج الدائرة، لا يُعامل كفرد طبيعي بل ككائن مسجون في مصيره.
نظرات الخوف والتجنب
هناك أيضًا من ينظر بعين متوجسة، وكأن عقل المجنون المتمرد يشكل خطرًا غير منظور. إنها نظرات تتراوح بين الحذر والغموض، بين الاستعداد للهرب أو الدفاع. في المجتمعات التي تخشى الاختلاف، يكون المجنون مرآةً مخيفة تعكس إمكانية فقدان السيطرة، ولهذا، يفر الناس بأعينهم قبل أن يفروا بأجسادهم.
نظرات الفضول والرغبة في الفهم
ورغم كل ذلك، هناك عيون تحمل نوعًا آخر من التحديق، نظرات تفتش في ملامح المختلين عقليًا عن شيء أعمق، عن معنى خلف الفوضى. هؤلاء هم أولئك الذين يحدقون طويلًا، لا ازدراءً ولا خوفًا، بل في محاولة لفهم عالم لم يتمكنوا من دخوله. إنهم من يتساءلون: هل المجنون هو الذي فقد عقله، أم الذي لم يستطع احتمال الواقع فهرب منه؟
ختامًا: العيون تكشف أكثر مما تخفي
إن نظرات الناس إلى المجانين تكشف أكثر مما تحاول إخفاءه؛ إنها مرآة للمجتمع نفسه، لموقفه من الاختلاف، لخوفه من الفوضى، لرغبته في رسم حدود واضحة بين “العاقل” و”غير العاقل”. لكنها أيضًا تذكير بأن الإنسان، مهما ابتعد عن الفهم، يظل فضوليًا تجاه المجهول، حتى لو كان ذلك المجهول يسكن في عيون مجنون.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر
وصف رائع يعبر عن فضولنا لحظات الاندهاش الأولى محاولاتنا لاختلاس النظر عندما يشيح المجتمع نظره عنا
تصف فيها شراهة الفضول البشري للتحليل للتساؤل
تصف تلك الشفقة التي قد تكون تنم عن خوف قبل الانسانية
أبدعت ✊🏻🤍
مقال اكثر من رائع فعلا العين هي مراة للانسان عاقلا كان او اكثر عقلا فلا يوجد جنون سوى هذا العالم الذي اصبح فيه الانسان ارخص قيمة في قيم وضعها البشر هل هناك جنون وعبث اكثر مما نحن نعيشه اليوم