فرعون البيت الأبيض: عنجهية القوة واستعراض الهيمنة… كتب رياض الفرطوسي

منبر العراق الحر :
في السياسة، هناك زعماء يتركون أثرهم العميق على المشهد العالمي، ليس بحكمتهم أو عمق رؤيتهم، بل بأسلوبهم الفجّ في التعامل، بعنجهيتهم واستعراضهم المفرط للقوة. ودونالد ترامب هو أحد هؤلاء القادة الذين يحولون كل لقاء دبلوماسي إلى مسرحية، يكون فيها هو البطل الأوحد، فيما الآخرون مجرد شخصيات ثانوية تخدم روايته الخاصة.
لطالما كان ترامب سيد الاستعراض، يمارس السياسة كما يمارس الصفقات، محاطاً بهالة من التكبر والتهديدات المستترة، محاولًا ترسيخ صورة الرجل القوي الذي لا يهادن. وليس أدل على ذلك من لقاءاته بزعماء العالم، حيث يبدو دائماً متحفزاً، متأهباً، يجلس بجسده المتصلب ويديه المشبوكتين في وضع دفاعي يوحي برغبة في فرض الهيمنة. لا شيء عفوي في تحركاته، فكل تفصيلة محسوبة، كل حركة جسده هي رسالة موجهة، ليس للحاضرين فقط، بل للعالم بأسره.
لم يكن لقاؤه بفلوديمير زيلينسكي، رئيس أوكرانيا، استثناءً لهذه القاعدة. جاء زيلينسكي إلى البيت الأبيض محاولًا انتزاع موقف أمريكي أكثر صرامة تجاه روسيا، لكنه وجد نفسه في حضرة رجل لا يؤمن إلا بمنطق السوق. ترامب، الذي يتعامل مع السياسة بمنطق التاجر الماكر، لم يكن يرى في أوكرانيا سوى ورقة تفاوض، يمكن استخدامها حين يحتاجها، ورميها حين تنتهي صلاحيتها.
في ذلك اللقاء، لم تكن الكلمات وحدها هي التي تتحدث، بل الجسد أيضاً. ترامب جلس بأسلوبه المعتاد، ساقاه متباعدتان، أصابعه متشابكة، إبهاماه متلاصقان، كمن يغلق على نفسه درعاً غير مرئي يحميه من التأثير الخارجي. هذه الوضعية ليست مجرد حركة جسدية، بل انعكاس لحالة نفسية متوجسة، رجل يخشى أن يُخترق، أن يفقد السيطرة، حتى وهو في قمة السلطة.
عندما طرح صحفي بولندي سؤالًا يحمل بُعداً تاريخياً عن موقف أمريكا من روسيا، بدأت ملامح ترامب تتغير. جي دي فانس، نائبه الشاب، قرر التدخل ليقدم تفسيراً لدبلوماسية سيده، لكن زيلينسكي، الذي لم تعجبه النبرة، قرر الرد بنفس الحدة. كان الأمر أشبه بمبارزة كلامية خرجت عن السيطرة، حيث لم يعد الحديث يدور عن الاتفاقيات أو الدبلوماسية، بل عن استعراض للهيمنة.
ترامب، الذي اعتاد أن يكون المتحدث الأوحد، لم يحتمل أن يسمع صوتاً مرتفعاً إلى جواره. نظر إلى زيلينسكي بعينين تضيقان بغضب مكبوت، ثم، وكعادته حين يفقد السيطرة، قرر إنهاء اللقاء بطريقة استعراضية، طرد زيلينسكي واتهمه بعدم احترام أمريكا، وكأن الدولة العظمى قد تحولت إلى كيان شخصي، يُطرد منه كل من لا يوافق مزاج سيده.
وهكذا، انتهى الاجتماع، ليس باتفاق أو تفاهم، بل بقطيعة علنية، دفعت الغرب إلى دوامة من التساؤلات. أوروبا، التي لطالما اعتمدت على أمريكا، وجدت نفسها أمام حقيقة مرة: زعيم أكبر قوة في العالم لا يتصرف كرجل دولة، بل كتاجر يتقلب وفق مصالحه اللحظية، ويطرد زبائنه إن لم يعجبوه.
أما روسيا، التي تتابع كل ذلك عن كثب، فقد وجدت في هذه الفوضى فرصة ذهبية. في النهاية، ليس هناك أفضل من رئيس أمريكي يثير الانقسام في معسكره، ليمنح خصومه مزيداً من النفوذ.
ربما كان ترامب يعتقد أنه يدير أمريكا كما يدير إمبراطوريته العقارية، لكن العالم ليس سوقاً عقارية، والسياسة ليست مجرد صفقة رابحة. وبينما كان يسعى لإغلاق “هالته” وحماية نفسه من “الاختراق”، لم يدرك أنه كان، في الواقع، يُحكم إغلاق أبواب العزلة على بلاده، تاركاً فراغاً ستملؤه قوى أخرى، بهدوء، ودون استعراض.
الدرس العراقي: كيف نتعامل مع ترامب وأمثاله؟
إذا كان ترامب قد حول الدبلوماسية إلى ساحة استعراض للهيمنة، فكيف يمكن لدولة مثل العراق أن تتعامل معه بحنكة ودون أن تقع في فخ تقلباته المزاجية؟
أولًا، علينا أن ندرك أن ترامب – وأمثاله – لا يحترمون سوى لغة المصالح. العراق يجب أن يكون لاعباً ذكياً في إدارة ملفاته الاستراتيجية، فلا يكون مجرد تابع للقرار الأمريكي، بل يفرض نفسه كشريك يعتمد على تنويع علاقاته الدولية. فبدلًا من وضع كل أوراقه في السلة الأمريكية، يمكن للعراق أن يقوي علاقاته بالصين وروسيا وأوروبا، ليخلق توازناً يجنبه التقلبات السياسية الأمريكية.
ثانياً، يجب على العراق أن يبتعد عن الانفعال العاطفي في التعامل مع أمريكا. ترامب ليس رجلًا يمكن كسب وده بالتصريحات الدافئة أو التفاهم الدبلوماسي التقليدي، بل هو بحاجة إلى رؤية واضحة تُترجم إلى اتفاقيات اقتصادية وأمنية متوازنة. أي تفاوض مع إدارة مثل إدارة ترامب يجب أن يكون قائماً على المصالح المتبادلة لا الاستجداء أو الخضوع.
ثالثاً، يجب أن يطور العراق قدراته في قراءة لغة الجسد السياسي للزعماء الدوليين، كما يفعل ترامب نفسه. قراءة الإشارات الخفية والتصرف وفقها يعكس قوة وثقة بالنفس، وهو أمر ضروري في بيئة سياسية متغيرة.
العراق بحاجة إلى استراتيجية إعلامية قوية تُدافع عن مصالحه، وتمنع التلاعب بصورته في الإعلام الدولي. فمن يتابع سياسات ترامب يدرك أنه لا يخلق الحقائق، بل يفرض روايته الخاصة، ويجعل الآخرين يتفاعلون معها. العراق يجب أن يكون الطرف الذي يحدد السردية الخاصة به، لا مجرد تابع ينجرف خلف أجندات الآخرين.
بهذه الأدوات – التوازن في العلاقات، التفاوض الذكي، قراءة لغة الجسد، والاستراتيجية الإعلامية – يمكن للعراق أن يتعامل مع أي رئيس أمريكي، سواء كان ترامب أو غيره، دون أن يكون مجرد ورقة في لعبة أكبر منه.

اترك رد