منبر العراق الحر :
في زوايا الحياة القاسية، حيث يولد الإنسان محاطاً بقيود لا يراها بعينه، ولكنها تسكن في روحه، يتجلى القهر في أبهى صوره. ذلك الشعور الخفي الذي يجعل الإنسان أسيراً لمنظومة اجتماعية تُعيد إنتاج الخضوع جيلًا بعد جيل. فالقهر ليس مجرد اضطهاد مادي أو سياسي، بل هو منظومة نفسية واجتماعية تترسخ في أعماق الأفراد، وتتحكم في سلوكهم وتطلعاتهم.
القهر وأثره على النفس الإنسانية
إن الإنسان المقهور يعيش حالة دائمة من التردد بين التمرد والاستسلام. فهو يرى في نفسه ضعفاً زرعته فيه سنوات من التلقين والخضوع، لكنه يشعر في داخله بنار لا تهدأ، نار البحث عن الكرامة والحرية. وقد تحدث الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه عن هذه الحالة حين قال: “ليس الألم هو الذي يكسر الإنسان، بل الإحساس بعدم الجدوى.” وهنا تتجلى المعضلة؛ كيف لإنسان أن ينهض إذا كان يشعر أن جهوده لن تُثمر أبداً؟
إن الاستبداد يولّد الخوف، والخوف بدوره يُنتج سلوكيات سلبية تتجذر في المجتمع، بدءاً من القبول الأعمى بالواقع، وصولًا إلى البحث عن كبش فداء يُلقى عليه اللوم. وكما أشار إيريك فروم في كتابه “الخوف من الحرية”، فإن بعض البشر يهربون من الحرية لأنها تتطلب مسؤولية ووعياً لا يقوون عليهما.
التخلف الاجتماعي كنتاج طبيعي للقهر
لا يمكن فصل التخلف الاجتماعي عن منظومة القهر، فحين يُسلب الإنسان صوته، ويفقد إيمانه بقدرته على إحداث التغيير، يصبح من الطبيعي أن يسود الجمود ويخبو الإبداع. المجتمعات التي تُكرّس الطاعة العمياء، وتزرع في أفرادها الخضوع منذ الصغر، تقتل فيهم روح المبادرة، وتجعلهم أسرى لأنماط فكرية جامدة.
وهنا يتجلى الفارق بين المجتمعات المتقدمة وتلك التي تعاني من الركود. فالأولى تعزز ثقافة السؤال والنقد، بينما الثانية تفرض ثقافة الصمت والتسليم. وقد لخص الفيلسوف جون ستيوارت ميل هذه الفكرة بقوله: “الأمة التي لا تسمح لشعبها بالتفكير الحر، تحكم على نفسها بالجمود.”
سبيل التحرر: الوعي كطريق للخلاص
التحرر من القهر لا يكون بثورة عشوائية، بل بثورة فكرية تسبقها، فالفكر هو البذرة الأولى لأي تغيير. الوعي بالقيد هو الخطوة الأولى نحو كسره، والفرد الذي يدرك أنه مقيد، أقرب إلى الانعتاق ممن يظن أن القيود جزء من طبيعة الحياة.
إن بناء مجتمعات حرة يبدأ من التربية والتعليم، حيث يجب أن تُغرس في الأجيال القادمة قيم التفكير النقدي والقدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، بعيداً عن التلقين والتبعية العمياء. لا يكفي أن يُقال للإنسان “كن حراً”، بل يجب أن يُعلَّم كيف يكون كذلك.
نحو إنسان جديد
ليس هناك طريق واحد للتحرر، بل هو مسار طويل يبدأ من داخل النفس، ويمتد ليشمل المجتمع بأسره. الإنسان الذي يكسر قيده الداخلي هو بذرة التغيير الأولى، والمجتمع الذي يحتفي بهذه البذور، هو المجتمع الذي يستحق الحياة.
لقد آن الأوان أن ننظر إلى الإنسان لا ككائن مستسلم لواقعه، بل كمشروع دائم للحرية والتطور. فكما قال جان بول سارتر: “الإنسان محكوم بأن يكون حراً.” فإما أن يدرك هذه الحقيقة ويخوض رحلته نحو التحرر، أو أن يبقى في دائرة القهر، أسيراً لما ظن أنه قدره المحتوم.
