منبر العراق الحر :
الحياة في الأهوار كانت بسيطة وخالية من التعقيدات التي تربك الحياة وتحمل اليها الكثير من الاشكاليات ويفسر ذلك أحد المعلمين بقوله : أجمل مافي الأهوار انها بدون دخان سيارات ، والشيء الذي لوثنا فيه عاطفة الأهوار إننا جلبنا معنا السيكارة وعلمنا أهل الاهوار على تدخينها بالرغم من أنها أخترعت لتخفيف الهموم وهم همومهم قليلة . لكنهم الى اجهزة الراديو التي كان يجلبانها معهم معلمي المدارس ، وكانت خشيتهم منها كبيرة لأنهم لم يصدقوا إن صوت امرأة تذيع نشرة أخبار أو تغني مع الآت موسيقية يمكنها ان تدخل وسط هذا الصندوق ، ومع شروحاتنا الكثيرة اقتنعوا ان العالم البعيد عنهم فيه أحداث وحروب وكرنفالات لاتعنيهم بشيء لأن السماع لن يوصل الفكرة جيدا ويخرجهم الى عالم اخر غير عالمهم مثلما فعل التلفزيون لاحقاً بعد 2003 واصبح الكثير من ابناء القرى يعرفون إن قناة روتانا تبث الاغاني المصورة وقناة الجزيرة تبث اخبار بلد إسمه فلسطين . حدث هذا في زمن هجرتي وزيارة بول بريمر الحاكم المدني لقراهم ، وربما هو من حمل لتلك الصرائف المنسية الصحون اللاقطة واجهزة الستلايت .واستقبلوا بدهشة وابتسامات فطرية حشودا من البعثات التلفازية تصور عالمهم وتخبرهم أن منظمة عالمية اسمها الامم المتحدة كانت تدافع عن قراهم وحياتهم وأحلامهم وتُعرف العالم بهم وهم لا يعلمون .
في تلك القرية المسماة سلف “مطر ” والتسمية لا تمت للمطر بشيء ، وإنما لرجل اتى من جهة أهوار ” الفهود ” وبنى أول بيت من القصب في هذا المكان أسمه ” مطر ” فلحقه أقرباءه وأسسوا لهم تجمعا سكانيا متى كبر وأزدادت بيوته لكثافة البردي ووفرة الماء حيث الصيد وفير ، ولوجود لسان مائي مباشر الى مدينة الجبايش فكرت التربية أن تفتتح مدرسة ابتدائية وكنت أنا من الذين تعينوا فيها وأول عاطفة جديدة من الحضارة نقلتها الى هذا المكان هو جهاز الراديو وهو يبث في الليل اغنية السيدة ام كلثوم ” كل ليلة وكل يوم ”
وأعتقد أن هذه الأغنية أول عاطفة حركت في رؤوس اهل القرية من الرجال والبنات الذين لم يتزوجوا حد الذي كنت فيها أجلس امام بوابة المدرسة ” أتشمس ” في صباح شتائي بارد عندما مرت واحدة من بنات القرية الجميلات وهي تضرب بخفةٍ على ظهر جاموسة تخلفت عنادا في الالتحاق بالقطيع الذاهب الى مراعيه في الهور واقتربت مني وقالت : استاذ هاي ” الغناوه : التي تقول ” كل ليلة وكل يوم ” سمعتها في الليل من جهة المدرسة قبل ثلاثة أيام ولم اسمعها ثانية بعد .
ضحكت وتعجبت من جرأتها واحساسها . وقلت لها :هذه الأغنية ليس انا من يضعها في صندوق الأغاني بل أناس عندهم اذاعة في بلد إسمه مصر.
قالت : انه ” بس ” اعرف ولاية الجبايش وغيرها لااعرف ، لكن هؤلاء إذا أعطيتهم صحن قيمر يرجعون الغناوة للصندوق ويدعوني أسمعها في الليل ؟
ضحكت وقلت : حتما يقبلون .
قالت ” خوش ” راح أغافل امي باجر وأجيء لك بصحن قيمر تبعثه لهم .
قلت اوافق ولكن بعد اسبوع حتى يصل صحن القيمر إليهم ، فمصر بعيدة ، ابعد من الجبايش بكثير ..
قالت : موافقة المهم اسمع مرة ثانية ” كل ليلة وكل يوم “.مرة واحدة سمعتها وحفظت منها كلاما حلوا .
سكنتني الدهشة عندما اقتربت مني في اليوم الثاني وهي تقدم لي صحن القيمر .وقالت : انا وفيت بوعدي وأتمنى أن يفوا هم بوعدهم ..
إحترت وقد سكنتني الدهشة وانا اتذكر صديقا لي من يحضرون اطروحة ماجستير في علم النفس وموضوعتها عن العاطفة الانسانية ومسسبات نموها وتمنيت عليه أن يدرس هذه الظاهرة العاطفية .ولأننا كنا ثلاثة معلمين على ملاك المدرسة .حدثتهم بقصة الفتاة ” ناعمة ” ونحن نتناول ماعون القيمر الذي جلبته وعقب المدير قائلا : مادام إسمها ” ناعمة ” فحتما تسكنها عاطفة غرام لواحد من أبناء عمومتها حين تسمع رائعة السيدة ” كل ليلة وكل يوم ”
لم اجد غير حل واحد لتحقيق ما وعدت به ” ناعمة ” وأستلمت رشوته وهو ماعون القيمر الذي أشعر انها غامرت كثيرا لتجلبه الي هو أنني استاذت المدير بطلب اجازة ليوم واحد .وقلت له : عندي في البيت مسجل كاسيت يشتغل على البطاريات سأجلبه واذهب الى تسجيلات في شارع الجمهورية اسمها تسجيلات ابو العود واشتري منه كاسيتا لأغنية ” كل ليلة وكل يوم “.
وهكذا شعرت ” ناعمة ” بسعادة كبيرة وانا أفي لها بوعدي مع كل ليلة بث للإغنية تأتي لي في الصباح بصحن قيمر ارسله لمن يبث الاغنية في اذاعة صوت القاهرة في مصر ، وكانت تفي بوعدها إلى اليوم الذي سمعنا فيها زغاريد تتراقص في سماء صباح القرية وعرفت أن جميلة القرية ” ناعمة ” زفت عروسٌ إلى إبن عمها ، ومن يومها لم تعد ” ناعمة ” تجلب صحون القيمر وبالرغم من هذا بقيت بين الحين والاخر إشغل في مسجل الكاسيت اغنيتها المفضلة ” كل ليلة وكل يوم “وأشعر إنها أول واحدة من بتات المعدان من تحفظ اغنية لأم كلثوم عن ظهر قلب.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر