منبر العراق الحر :
عالم الأدب والصحافة، الذي يفترض أن يكون فضاءً لإثراء العقول وتنوير المجتمعات، قد تحول في العراق في كثير من الأحيان إلى مسرح للصراعات النفسية والشخصية التي تفسد هذا الدور النبيل وظهور شخصيات استعراضية ترى في ذاتها القدوة والرمز والظاهرة التي يفترض ان تدرس كنموذج أدبي راق من قبل نقاد العالم كافة..
هذه الظاهرة ليست حديثة، بل تمتد جذورها إلى أزمنة طويلة شهدت فيها الساحة الأدبية ممارسات وسلوكيات تتنافى مع روح الإبداع والتنوير، وأنا كشاهد على جزء من هذه المرحلة ومنذ فزت في انتخابات اتحاد ادباء ذي قار في بداية تسعينات القرن الماضي وكنت حينها اصغر عضوا في هذه المؤسسة، ومن حينها فقد رأيت العجب العجاب.
من أبرز الظواهر التي تواجهنا في هذا المجال هي نرجسية بعض الأدباء الذين يرون أنفسهم كآلهة تُعبد، وكأنهم يطلبون من الجميع الإشادة بهم والتسبيح بأسمائهم بكرة وأصيلا او كرب مزيف يسبحون بحمده بالغدو والآصال، دون أن يقدموا في المقابل أي إبداع أو خدمة تستحق هذا التقدير. للأسف هذه النرجسية ليست مقتصرة على المشهد الأدبي المحلي فحسْب، بل هي ظاهرة تمتد الى التاريخ العالمي.
الكاتب الأمريكي الشهير تشارلز بوكوفسكي وصف ذلك قائلا: “أكثر ما يقتل الإبداع هو أن تعتقد أنك أفضل من الجميع”. مثل هذه التصرفات تُضعف روح المنافسة الحقيقية التي يجب أن تكون قائمة على الإبداع والجودة، والعمل الجاد لخدمة الأدباء..
إلى جانب ذلك، هناك ظاهرة الشللية أو التكتلات الأدبية الضيقة التي تقسم الساحة إلى جماعات صغيرة يتناحر أعضاؤها على السيطرة والنفوذ. فكل مجموعة تعمل على إقصاء الأخرى والطعن حتى في ظهور أعضائها، بدلا من التعاون والإثراء المتبادل.(لا تجبروني ان أكشف الاسماء)..
الكاتب يوسف إدريس، أحد أعمدة الأدب العربي، أشار في أكثر من مناسبة إلى معاناته من هذه الظاهرة، مؤكدا أن الإبداع الحقيقي يتطلب حرية فكرية بعيدا عن هيمنة الشلل الأدبية. وحتى في الأدب الغربي، يقول إرنست همنغواي: “المنافسة الحقيقية تحدث على الورق، وليس في الغرف المغلقة”. لكن هذا الفهم العميق يغيب عن بعض الأدباء..(أشدد على كلمة بعض ولا أقصد الجميع) الذين يفضلون المكائد على الإبداع في كل دورة انتخابية..
ومن الظواهر الأخرى، ما يمكن أن اسميه بـ”إعادة تدوير الأسماء”، فهناك أدباء وشعراء يعاد انتخابهم في كل دورة انتخابية رغم غيابهم شبه التام عن المشهد الذي يقدم فيه خدمات للإدباء ، وكأن الأسماء باتت رموزا أبدية لا يمكن تجاوزها. هذا الأمر يعكس ضعفا في معايير التقييم وغياب الشفافية في الاختيارات من جمهور الأدباء انفسهم قبل المرشحين …
تجارب أخرى من الخارج تعكس هذه الظواهر نفسها ، إذ كتب فرانز كافكا في رسائله كيف كانت الأجواء الأدبية مليئة بالمجاملات الكاذبة والمؤامرات الصغيرة التي أرهقته نفسيا وجعلته يفضل العزلة.
إن مواجهة هذه الظواهر تتطلب وقفة جادة. يجب تعزيز معايير شفافة لتقييم من خدموا هذه المؤسسة فعلا ، والابتعاد عن المجاملات والعلاقات الشخصية في اختيار القيادات والمؤسسات. كما يجب تشجيع النقاشات الفكرية الهادفة بدلا من الصراعات السطحية. فالأدب والصحافة هما مرآة المجتمع، ولا يمكن لهما أداء دورهما التنويري إذا غرقا في مستنقع الصراعات الشخصية والشللية الضيقة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر