منبر العراق الحر :….باحث سياسي واقتصادي…
في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة الاقليمية، تعود إلى الواجهة بين حين وآخر حملات إعلامية منظمة وممنهجة تُدار من خلف الشاشات، غالباً ما تكون خارج الحدود، تستهدف بنية النظام السياسي ومشروعية الدولة العراقية. هذه الحملات لا تمثل إلا تعبيراً عن إفلاس سياسي، وشيخوخة فكرية، ومحاولة أخيرة من قبل بعض الشخصيات والقوى التي فقدت تأثيرها داخل المشهد العراقي بعد أن تجاوزها الزمن، وافتقرت للقدرة على التجديد والاندماج ضمن السياق السياسي الحديث.
في هذا السياق، يتوجب تحليل المشهد ليس من زاوية الرد العاطفي أو الانفعالي، بل من منظور استراتيجي يقرأ مكونات القوة والضعف، وسياقات الحرب الإعلامية الجديدة، التي تستبدل الجيوش بالهاشتاغات، وتضرب في العقل الجمعي عبر المحتوى المفبرك والتضليل الرقمي. فما يجري على منصات مثل “فيسبوك” و”X” (تويتر سابقًا) لا يمكن اعتباره حراكاً نابعاً من إرادة شعبية واعية أو موجات إصلاحية حقيقية، بل هو في الغالب نتاج تحكم في الرأي العام عبر أدوات إعلامية تُدار من غرف عمليات خارجية، وبعضها يرتبط بشخصيات بلا وزن سياسي داخلي، تعيش خارج العراق على هامش الحياة الاجتماعية، وقسم عاطلين عن العمل يعتمد في معيشتهم على المساعدات الاجتماعية، لكنهم يسوّقون أنفسهم كبديل للنظام من خلف الشاشات.
*الإعلام كسلاح في حروب الجيل الخامس*
لقد تطورت أساليب إسقاط الأنظمة من الانقلابات العسكرية إلى صناعة الفوضى عبر الإعلام والمحتوى الرقمي، وهو ما يعرف بحروب الجيل الخامس. هنا، لا يُستهدف النظام السياسي من خلال معسكرات التدريب أو القنابل التقليدية، بل يُستهدف من خلال تقويض ثقة المواطنين فيه، وبث الإحباط، والترويج لفكرة أن النظام غير قابل للإصلاح أو التغيير التدريجي. والأخطر من ذلك، يتم التلاعب بعقول الشباب المغرر بهم عبر خطاب عاطفي متخم بالحقد التاريخي والذاكرة المشوهة، حتى أصبح النظام الدكتاتوري الدموي البائد يُعرض على أنه “الزمن الذهبي” لجيل لم يعش تجربة صدام والبعث الساقط ولا يعرف ما تعنيه السجون الجماعية، في ابو غريب الثقيلة والخفيفة، وسجون الامن والشعبة الخامسة، والرضوانية، أو المقابر الجماعية، أو سياسة الحديد والنار، وتكميم الافواه، وسلب الحريات والكرامة.
*قراءة في تجربة نظام البعث*
عند الحديث عن النظام السابق، لا بد من استذكار سلسلة الأزمات البنيوية التي ضربته من داخله، منذ انقلاب 1963، مروراً بصراع الأجنحة البعثية عام 1968، وانتهاءً بانتفاضات الجنوب وكردستان عام 1991، وانشقاقات أبناء النظام نفسه كخيانة رغد صدام وحسين كامل واخوته وهروبهم خارج العراق والتشهير بالنظام وسلوكه. الى هروب بعض الضباط المقربين من صدام ورفاق البعث. لقد كان نظام صدام دمولاً محكوماً بالأمن والمخابرات، لا بالقانون والمؤسسات، وعندما ضُرب من الخارج أو الداخل، سقط كما تسقط البنية الكرتونية، دون أن يدافع عنه أحد حتى الحرس الخاص انهزم. وهذا مصير كل نظام يستند إلى القمع والخوف، لا إلى الشرعية الشعبية.
*هشاشة الوعي وخطر التغذية السلبية*
تكمن المعضلة في أن هذا النوع من الخطاب يجد أحياناً تجاوبا لدى شريحة من الجمهور غير المحصّن وعياً وثقافة، وخاصة من الفئات الشابة التي لم تعيش مآسي النظام البائد، ولم تختبر تجربة الحروب والحصار والقتل الممنهج. هؤلاء يتغذون على محتوى سريع، بصري، وشعاراتي، يخلو من أي تحليل عميق أو سرد موضوعي للوقائع، ويتم ترويجه من خلال منصات مشبوهة مرتبطة بشبكات استخبارية أو لوبيات مصالح خارجية.
لكن ما يغيب عن أذهان من يروجون لمشروع إسقاط النظام هو أن هذا النظام، رغم عثراته وتحدياته، هو نتاج تضحيات وطنية هائلة دفع فيها العراقيون ثمناً باهظاً من الدماء والكرامة والجهد. إنه نظام أُسس في لحظة تاريخية فارقة، وجاء في ظل بيئة ديمقراطية وتحت مظلة عالم رقمي مفتوح، ما جعله عرضة لهجمات إعلامية غير مسبوقة. وعلى الرغم من ذلك، فقد صمد على مدار أكثر من عقدين، وتجاوز محناً وتهديدات داخلية وخارجية، ولم ينهار، بل أثبت امتلاكه لقابلية المقاومة والتكيف.
ومن المفارقات المؤلمة أن بعض خصوم النظام الديمقراطي العراقي لا يجدون حرجاً في الإشادة بأنظمة سلطوية في الجوار الإقليمي، تتفاخر بالعمران وتحتكر الإعلام وتكمم الأفواه، بينما تنكل بشعوبها وتسلبها حرياتها. هذه الأنظمة، رغم قوتها الظاهرة، تقف على هشيم اجتماعي واقتصادي، تخنق الحراك الشعبي، وتشتري النخب والمثقفين بالمال، وتبني أمجاداً إعلامية فوق ركام القمع السياسي. والمفارقة أن بعض النشطاء ينجذبون إلى هذه النماذج بسبب مظاهرها الخادعة، دون أن يلتفتوا إلى الفقر المدقع والبطالة المقنّعة وانعدام الحريات في تلك الدول
*مناعة النظام الديمقراطي في العراق*
إن ما يشهده العراق من فوضى إعلامية ومحاولات تسقيط مستمرة ليست سوى حلقات من حرب نفسية ومعنوية طويلة الأمد، تستهدف النظام الديمقراطي الناشئ في دولة خرجت من رحم الانهيار الشامل بعد 2003. لكن هذه المحاولات تصطدم بجدار من التجربة والمناعة، حيث بات واضحاً أن العراق لم يعد ذلك الكيان القابل للإسقاط السهل، بل هو دولة ذات علاقات دولية معقدة، وهياكل أمنية وعسكرية محصنة، وتجربة سياسية تتقدم رغم العوائق.
ومن هنا، فإن المطلوب ليس الانجرار وراء هذه الضوضاء، بل تعزيز الوعي المجتمعي، واستثمار الطاقات الشبابية في البناء والإصلاح، وتطوير خطاب سياسي عميق يواجه التحديات وهذه الحملات المغرضة, ومتابعة الصفحات من قبل المؤسسات الرقابية وحجبها عن التظليل.. لإن مناعة الدولة تبدأ من عقل المواطن، وشرعية النظام تُبنى على الثقة والإنجاز، لا على الإنكار والشعارات.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر