جاك دريدا واستراتيجية التفكيك…زهير القريني

منبر العراق الحر :

يُعد جاك دريدا من أهم الفلاسفة الفرنسيين المعاصرين، بل من أهم الفلاسفة الذين ظهروا في الربع الأخير من القرن العشرين. جاء بأفكار فلسفية لغوية بالدرجة الأولى، لأنه كما هو معروف اهتم بتحليل وقراءة النصوص بكل ألوانها، سواء الفلسفية أو الأدبية، بجميع تلاوينها وأجناسها الأدبية، مستخدمًا في تحليلها أسلوبًا جديدًا لم يتنفس فجره إلا مع جاك دريدا، ألا وهو الأسلوب التفكيكي، إلا أنني أتحفظ من تسميته بهذه التسمية، وسوف نوضح لماذا. يمكن القول إن جاك دريدا ظاهرة فلسفية، وأفكاره أثارت جدلًا واسعًا في الساحة الفكرية، لأنه جاء عكس الأفكار التي كانت سائدة ومناهجها، خاصة البنيوية التي كانت تبحث عن الثنائيات الثابتة والأفكار المستمرة في الثبات. دريدا جاء ليزعزع هذا الطرح، حيث أصبح رهانه هو البحث عن الاختلافات والتناقضات داخل النصوص، وليس البحث عن التساوق والتشابه، مؤمنًا بأن كل نص يحمل في طياته معاني معارضة لظاهره. هذا من جهة، ومن جهة ثانية، جاء ليفكك الميتافيزيقا الغربية أو مركزية اللوغوس على حد تعبيره. طرحه هذا صاغه في قالب مفاهيمي مترابط الأطراف، مفاهيم لم تظهر إلا معه، وبهذا فمقولة الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز التي يقول فيها إن “الفلسفة هي نحت وابداع للمفاهيم” تنطبق على فيلسوفنا دريدا. من هذه المفاهيم التي سوف نوضحها والتي لا يمكن فهم نسقه الفلسفي بمعزل عنها: الاختلاف، التأجيل، الأثر، الإرجاء، نقد الثنائية، اللعب، وجملته الشهيرة التي تلخص أفكاره وفلسفته هي قوله: “لا شيء خارج النص”. ومنه، فغرضنا في هذا المقال هو إزالة الغبار عن الفكر الدريدي من جهة، ومن جهة أخرى توضيح طرحه التفكيكي

جاك دريدا هو فيلسوف ما بعد البنيوية، تأثر بمجموعة من الفلاسفة منهم هيغل، وهايدغر، وهوسرل، سواء نقدًا أو اتباعًا. أكثر عباراته شهرة هي قوله: “لا شيء خارج النص”. لفهم هذه العبارة لا بد من تفحص الاستراتيجية التفكيكية بشكل عام. هنا استخدمت كلمة الاستراتيجية وتجاوزت مفهوم المنهج، لأن جاك دريدا نفسه يقول إن استراتيجيته هذه ليست منهجًا، لأنه إذا اعتبرها كذلك سوف يقع في تناقض يقول هو بنسفه سأقول الشيء نفسه عن المنهج (أو الطريقة) méthode. ليس التفكيك منهجًا ولا يمكن تحويله إلى منهج. خصوصًا إذا ما أكدنا في هذه المفردة على الدلالة الإجرائية أو التقنية. صحيح أنه في بعض الأوساط (الجامعية أو الثقافية، وأنا أفكر هنا خاصة بالولايات المتحدة)، تُبْدُو «الاستعارة» التقنية أو المنهجانية التي تبدو بالضرورة مرتبطة بمفردة «التفكيك» أن تنوي أو أن تُضلّ. من هنا السجال الذي نبتَ ونما في بعض الأوساط. لذلك يعتبر التفكيك مجرد استراتيجية لقراءة النصوص الفلسفية والأدبية. قلنا لفهم عبارته تلك لا بد من تفحص الاستراتيجية التفكيكية، حيث يرى جاك دريدا أننا عندما نختار كتابًا لمطالعته، مثل كتاب فلسفي، نتخيل أن ما بين أيدينا هو موضوع يمكن فهمه وتفسيره وتحليله كعمل متكامل من جميع الجوانب، قائم بحد ذاته. مثلًا، حصلت على كتاب من المكتبة معنون بـ”علم الكتابة” مؤلفه جاك دريدا، من خلال هذا الكتاب تتوقع أنك عندما تنتهي من قراءته ستحصل على فكرة عامة في الكتابة، لكن حسب جاك دريدا، هذه الفكرة ليست صحيحة، حيث يرى أن كل النصوص تحتوي على تناقضات وثغرات، ولهذا فإن مهمة الفلسفة التفكيكية هي إيجاد هذه الثغرات والتناقضات. ومنه يمكن تعريف الفلسفة التفكيكية بكونها استراتيجية وطريقة لقراءة النصوص، وإظهار التناقضات والتعارضات الخفية إلى العلن، أو بصيغة أخرى: هي قراءة ما بين السطور هذا التعريف ليس نهائيا فقط اجرائي لكي لا نبقا تائهين وصعوبة تعريف التفكيكية كما أشار لهااغلب الشارحين او المترجمين لاعمال جاك دريدا مثلا نجد الفيلسوف دافيد ب.أليسون David B. Allison، وهو من الأوائل الذين ترجموا كتابات جاك دريدا إلى اللغة الإنجليزية، فيشير إلى أن التفكيك هو مشروع فكري نقدي تتمثل مهمته في تحديد و”تفكيك المفاهيم التي ظلت لمدة طويلة تعتبر بديهيات لا ينبغي خلخلتها وفي باب صعوبة تعريف أو صعوبة ترجمة كلمة déconstruction يشير الدكتور محمد شوقي الزين إلى أن التفكيك:
“يتعذر ترجمته من جراء قوته الإجرائية ودلالته السريالية، أقصد طبيعته الباروكية الملغزة. غالبا ما نعرب الكلمة Déconstruction بالتفكيك، وننعت الفلسفة القائمة عليها بالتفكيكية، وتم استعمال مرادفات تدل كلها على الإجرائية السلبية في المقولة: التقويض، الهدم، التخريب […] حرفيا، تعني الكلمة “البناء المضاد”، فهي ليست التخريب أو الهدم، لأن في هذه الحالة نستعمل الكلمة destruction التي كان هيدغر قد استعملها في تقويض المنطق التراثي. يمكن القول، مبدئيا، أن التفكيك عبارة عن بناء مضاد، الذي ليس البناء ولا الهدم، وإنما بناء من نوع خاص، يخرج على القواعد البنائية، يتجاوز المعايير الهيكلية، تماما مثل الهندسة المسماة “التفكيكية” التي هي أبلغ شاهد على البناء المضاد، هندسة منكسرة ومنعرجة، ونتساءل إذا لم تكن هي الأخرى تجل من تجليات الهندسة الباروكية.”
ولفهم التفكيك لا بد من فهم مفاهيمه، كما جاء في التقديم. جاء رائد التفكيك بمجموعة من المفاهيم، خاصة مفهوم “الاختلاف”. اختلق جاك دريدا مصطلح “Différance” ليميزه عن “Différence”، رغم أن نطقهما واحد في الفرنسية. هذا المصطلح يجمع بين معنيين: “الاختلاف” و”الإرجاء”، أي أن المعنى لا يُستقر عليه أبدًا، بل يتأجل باستمرار ويتولد من خلال اختلافاته عن معانٍ أخرى. وهكذا يصبح المعنى غير ثابت، بل دائم الانزلاق، مما يعكس جوهر الاستراتيجية التفكيكية التي تهدف إلى كشف هذا التعدد والتأجيل الكامن في اللغة. فهو في النصوص لا يبحث عن التشابه والتساوق، بل عن الاختلافات والتناقضات بل في كتابه الكتابة والاختلاف بعدما ساله محاوره في هذا الجانب اجتزحت لمفهوم «الاختلاف» تسمية غير قائمة، من قبل، في الفرنسية. فبدل la différence طرحت la différance مع حرف (a) الصامت هذا، والذي لا يبين الفرق في النطق بينه وبين رديفه الذي قمت بإحلاله محله: الحرف (e). قلت مرة أيضا إن هذه المفردة «لا تمثل كلمة ولا مفهوما»، وإنما تجمع سلسلة من المفاهيم التي يتدخل كل واحد منها في لحظة حاسمة من العمل. ما هي المضامين أو الدلالات المختلفة لهذه المفردة، التي ستعسر ترجمتها إلى العربية؟ كان رده كتالي
عتقد أن تقلق حول ترجمة هذه المفردة يتجه إلى صميم المشكل. فهي ليست غير قابلة للترجمة إلى العربية فحسب، وإنما حتى إلى الإنجليزية وسواها من اللغات، وحتى إلى الفرنسية بمعنى ما، من حيث إنها تتعارض مع الكلمات المنحذرة من الميراث اللاتيني، كما أنها، في اقتصادها نفسه، غير قابلة للإبدال بمفردة أخرى. ولكن يمكن بالطبع أن نوضح استخدام هذه المفردة، وأن نقيم خطأً حول استخدامها، وحول ما يعبر عن نفسه فيها بصورة اقتصادية، أو مقتصدة. إني أكتب في الحقيقة على هذا النحو، وأعتبر أنني أكتب حقا حين أذهب في اللغة إلى الحدود التي تصبح معها شبه (أقول شبه) عصية على الترجمة. هذه طريقة في عدم نسيان أننا نكتب دائما داخل لغة معينة
ما من الشق الثاني من سؤالك، حول دلالات هذه المفردة، فأنا أعتقد أنها تتضح من خلال سلسلة من المفردات الأخرى التي تعمل معها. «الكتابة، مثلا، أو «الأثر، أو «الزيادة، أو «الملحوق»، وهي جميعا كلمات مزدوجة القيمة، أو ذات قيمة غير قابلة للتعيين: «الأثر هو ما يلمح وما يمحو في الوقت نفسه، أي لا يكون حاضرا أبداً، و «الزيادة، هي ما يأتي ليضيف ولا يستثني، مثلا لدى مالارتيه، تدل في الوقت نفسه على غشاء البكارة الذي يمنع من النفاذ ويصون العذرية، وعلى الالتحام في الزرية، و «الفانزانتاكون، هذه المفردة الأفلاطونية، تدل في الوقت نفسه على الترم والترتاب، الخير والشر (وجهي الكتابة) الغر، إنها، إجمالا كلمات ليست كلمات، ولا مفاهيم، وليست قابلة للفصل من الناحية، وهي تقوم بعمل مثال لل «Différance» (الاختلاف بحسب التسمية الدريدية)، وإن كانت مختلفة عنها أيضا، إنها، إذن، سلسلة تتمتع كل حلقة منها باستغلالها التبشي، ولكن تتكرر فيها الحلقة المجاورة
ثم ننتقل إلى مفهوم “التأجيل”، ونضرب مثالًا في هذا الباب: كنت خارجًا، ثم أُضيف “من البيت”، ثم أُضيف “فرأيت”، ثم أُضيف “سيارة”، ثم أُضيف “حمراء”. هكذا، مع كل كلمة تُضاف، يطرأ تغيّر على المعنى بالكامل؛ كل كلمة تُضاف تُؤجّل المعنى الكامل للعبارة. أي إنّ كلّ شيء نقوله مُؤجَّل، لأنه يعتمد على ما سنضيفه لاحقًا. هكذا يمكن القول إن المعنى، حسب جاك دريدا، دائم التأجيل. ويمكن القول إن كل هذه المفاهيم تُشكّل أدوات الاستراتيجية التفكيكية. ومن جهة أخرى، كان الفلاسفة يعتقدون أن الكتابة إنما هي انعكاس شاحب للكلمة المنطوقة، وبالتالي فالكلمة المنطوقة كانت تُعتبر الوسيلة الأساسية للتواصل آنذاك. لكن مع دريدا، وعلى خلاف ما رأى الفلاسفة، تُظهر الكلمة المكتوبة أمورًا لا يمكن للكلمة المنطوقة أن تكشف عنها. كما أن الفلاسفة كانوا يعتقدون أن المعاني تأتي من خلال الحضور المباشر للشخص. أما مع دريدا، فعندما نتعامل مع النص المكتوب نتحرر من طغيان هذا الحضور المباشر؛ فعندما تقرأ نصًا لا يكون مؤلفه حاضرًا، تتخلص من التفسيرات والأعذار التي يُدلي بها، وتتجه إلى الكشف عن تناقضات النص .لكن ما معنى ان يفكك جاك دريدا مركزية اللغوس
رهان دريدا الأساسي هو تفكيك الثنائيات الضدية التي رسّختها البنيوية، كالعقل/اللاعقل، الحضور/الغياب، الخير/الشر، وذلك من خلال إظهار أن هذه الثنائيات ليست طبيعية أو ثابتة، بل مبنية لغويًا وثقافيًا. التفكيك عنده يكشف أن المعنى غير مستقر، بل مؤجل دائمًا، ويخضع لحركة لا نهائية من الإرجاء والاختلاف.
اهم المراجع في الأخير نريد ام ناكد ان التفكيك ليس منهجا بالمعنى الصارم بل استراتيجية لقراءة النصوص والكشف عن تناقضاتها الداخلية
اهم المراجع كتاب الكتابة والاختلاف لجاك دريدا

اترك رد