التموضع داخل المدار: إسرائيل وتكتيك استثمار المصالح الأميركية جيوسياسيًّا…. حسّام البدري

منبر العراق الحر :

✦ مدخل: حين تُصبح المصلحة قوة ناعمة معكوسة

ليست العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة علاقة قيادة أو تبعية، بل هي معادلة أكثر تركيبًا:

إسرائيل تمارس هندسة دقيقة لتقاطعات المصالح الأميركية في النظام الدولي، وتُعيد توجيهها بما يخدم أهدافها الذاتية في الأمن، التوسع، والهيمنة الإقليمية.

ففي كل نقطة توتر، وكل جبهة نزاع، وكل مفاوضة دولية، تخرج إسرائيل بمكاسب استراتيجية، لأنها تجيد التموضع داخل المسارات الكبرى للسياسة الخارجية الأميركية، دون أن تُظهر وكأنها تدفع بالقرار… لكنها غالبًا تدفع بالسياق.

✦ بعد الحرب الباردة: الغياب السوفيتي واستغلال الفراغ

مع سقوط الاتحاد السوفيتي، بدا العالم وكأنه يسير في فضاء استراتيجي مفتوح، تحتاج فيه واشنطن إلى “أدوات مراقبة ومخافر جيوسياسية”.

إسرائيل، ببنيتها الأمنية وتفوقها العسكري، قدمت نفسها كأداة جاهزة لملء الفراغ، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل كامتداد استخباري داخل سياقات أوسع (إيران، أفريقيا، القوقاز…).

ومنذ ذلك الحين، تحوّل التموضع الإسرائيلي إلى خط إنتاج نفوذ، تُستثمر فيه كل أزمة أميركية لخلق مكاسب إسرائيلية:

تدخل أميركا في العراق؟ إسرائيل تطوّق الخطر البعثي دون أن تطلق رصاصة.

اشتباك نووي مع إيران؟ إسرائيل تُحصّن مشروعها النووي في الظل.

صراع الصين–أميركا؟ إسرائيل توسّع صادراتها التكنولوجية للطرفين مع ضمان حماية السوق الأميركي.

✦ الغطاء النووي: كيف تُدار شرعية الصمت؟

احتفاظ إسرائيل بترسانتها النووية خارج الرقابة الدولية ليس نتيجة “استثناء”، بل نتيجة استثمار في صمت أميركي مدروس:

كلما طالبت الأمم المتحدة بإخضاع المفاعلات الإسرائيلية للتفتيش، تدخلت واشنطن بتخفيف اللهجة.

في المقابل، كل مشروع نووي إقليمي – حتى وإن كان سلميًّا – يُقابل بمنطق الردع والعقوبات، كما حدث مع العراق وإيران.

هذا التحيّز الممنهج ليس فقط تضامنًا سياسيًّا، بل استراتيجية إسرائيلية لإبقاء مجال الردع خالصًا لها، تحت مظلة “السكوت الأميركي”، وهي مظلة لا تُمنح مجانًا، بل بذكاء جيوسياسي استباقي.

 

لعبة الفراغات: التمدد عبر المناطق الرمادية

 

في عالم ما بعد التدخلات الصلبة، لا تُقاس الفاعلية بالحروب، بل بالقدرة على التسلل إلى المناطق الرمادية بين الدولة واللادولة، بين النظام والفوضى.

وهنا، أدركت إسرائيل مبكرًا أن هندسة التأثير لا تحتاج إلى السيطرة، بل إلى التمركز الذكي داخل فراغات النفوذ—فحيث تتردّد القوى الكبرى، تُبنى المنصات الأمنية والاقتصادية البديلة.

من البحر الأحمر إلى خطوط الغاز المتوسطية، ومن أمن الممرات إلى قواعد البيانات، يُعاد إنتاج السيطرة بصيغة غير مرئية، لكنها نافذة.

✦ وظيفة ما بعد الحليف: من التحالف إلى التموقع داخل البنية

لم تعد الشراكة مع الولايات المتحدة تُقاس بالدعم أو التنسيق، بل بمدى التشابك العضوي داخل منظومة القرار الاستراتيجي.

إسرائيل لم تعد “حليفًا تقليديًا”، بل باتت تمارس وظيفة استراتيجية ضمن بُنية الإمبراطورية الأميركية، فتقدّم المعلومة، وتُجرب التقنية، وتُعيد بناء بيئة الاشتباك وفق مصالحها—من داخل النسيج لا من خارجه.

وهذا ما جعل حضورها في ملفات الطاقة، التكنولوجيا، والسوق الدفاعي… توسّعًا وظيفيًّا أكثر منه توسعًا جغرافيًّا.

✦ البعد العسكري: القوة لا تشتبك بل تُوظف

الحضور العسكري الأميركي في المنطقة – قواعد، أساطيل، دفاع جوي – وفّر غطاءً استراتيجيًّا غير مباشر لإسرائيل لتوسيع هامشها العملياتي:

ضربات في سوريا تتم في منطقة نفوذ روسي–أميركي متداخلة دون إدانة.

عمليات في إيران (النووي، الاغتيالات) تمرّ في الغالب عبر تفاهمات استخبارية متعددة.

تموضع القبة الحديدية ضمن إطار الدفاع الخليجي لا يتم دون تنسيق عبر واشنطن.

الجيش الإسرائيلي يتحرك ضمن هندسة الردع الأميركية… لكنه يحصد عائدًا استراتيجيًّا أعلى بكثير من المعلن.

✦ خاتمة: العقل الوظيفي داخل المنظومة الإمبراطورية

إسرائيل ليست قوة عظمى، لكنها أذكى الفاعلين الإقليميين في توظيف العولمة الأمنية الأميركية لصالح مشروعها الخاص.

إنها لا تتحكم بأميركا، لكنها تدرك أين تُقرَأ المصلحة الأميركية وكيف تُعاد صياغتها لتلائم أهدافها، ولهذا:

لا تصنع واشنطن قراراتها وفق مشيئة تل أبيب،

لكن تل أبيب تُتقن وضع أجندتها على طاولة القرار الأميركي دون أن يلحظها أحد.

وفي زمن تتغير فيه موازين القوى، تبقى إسرائيل – كما أرادت لنفسها – اللاعب الصغير الذي يُحرّك ملفات كبيرة… من داخل عقل الهيمنة لا على أطرافها.

 

اترك رد