منبر العراق الحر :
الفصل الأول: الساحة
في وسط المدينة، ارتفع تمثال ضخم من طين ملوّن. لم يكن جميلاً، ولم يكن متينًا، لكنهم نصبوه في الساحة الكبرى كرمزٍ لزمنٍ جديد.
التفّ الناس حوله، يصفقون، يهللون، يرفعون أيديهم بالدعاء وكأنهم أمام معجزة.
رجل عجوز همس لجاره:
ـ إنه هشّ… قد يسقط مع أول مطر.
ردّ عليه الجار مبتسمًا بخوف:
ـ اصمت… المتملقون الجدد لا يحتملون الحقيقة.
الفصل الثاني: الطفل
اقترب طفل لا يعرف لغة التصفيق. أشار بإصبعه إلى التمثال وقال ببراءة:
ـ انظروا! إنه يتشقق.
ساد الصمت لوهلة، ثم علت الضحكات المستنكرة:
ـ أيها الصغير الجاهل، ألا ترى جماله؟
ـ هذا ليس تشققًا، هذا فنّ مقدس!
أسرع المتملقون الجدد يغطون عيني الطفل ويعلمونه كيف يصفق، حتى يغرق صوته في هدير التصفيق.
الفصل الثالث: الريح
هبت ريح خفيفة، وسقط جزء من التمثال. ارتجّت الساحة، لكن بدل أن يصدمهم المشهد، صرخوا:
ـ ما أروع سقوطه!
ـ ما أجمل انكساره!
ـ كل سقوط منه، ميلاد جديد لنا!
وبينما كانت كتل الطين تنهار، راحوا يلتقطونها كجواهر نادرة، يضعونها في جيوبهم، ويبتسمون كأنهم ظفروا بالغنيمة.
الفصل الرابع: الصوت الوحيد
العجوز الذي صمت طويلًا، رفع صوته أخيرًا:
ـ أيها الناس! ما هذا الجنون؟ هذا طين يتداعى، وليس قداسة تتجلى!
لكن صوته غرق في هدير التصفيق. اقترب منه أحد المتملقين الجدد وقال بابتسامة لزجة:
ـ أيها الشيخ، الحقيقة لا تُطعم خبزًا، أما التملق فيفتح الأبواب.
ابتسم العجوز بمرارة، وغادر الساحة.
الفصل الخامس: الغرق
توالت الأيام. المطر هطل. والتمثال الذي هللوا له ذاب في الطين. تحولت الساحة إلى مستنقع. غاصت أقدام الناس فيه حتى الركب. ومع ذلك، ظلوا يصفقون، وكلما غاصوا أكثر، علت أصواتهم أكثر.
في تلك اللحظة، خرج الطفل من بين الجموع، رفع يديه عاليًا، وصاح:
ـ كفى! التمثال انتهى… ونحن نغرق!
لكن المتملقين الجدد أحاطوا به، غطوا صوته بالتصفيق، وأخذوه بعيدًا.
الخاتمة: الحقيقة الضائعة
حين أشرقت الشمس أخيرًا، لم يبق في الساحة سوى طين متشقق ووجوه ملوثة بالوحل. لم يسأل أحد عن التمثال، ولا عن سقوطه.
لقد أصبحوا جزءًا منه… جزءًا من الطين
رانية مرجية – تلفون 7077060-054
كاتبة اعلامية وموجهة مجموعات
منبر العراق الحر منبر العراق الحر