منبر العراق الحر :
أكثر من مرة في سبعينات القرن الماضي فاض الفرات ودجلة معًا، ومعهما يأتي السيول القادمة من نهر الكارون. وقتها يصعب السيطرة على الحدود لأن كل المساحات التي بيننا وبين إيران، وخصوصًا من جهة العمارة والقرنة، تكون مغمورة بمياه، فتختلط أهوار الراق بهور الحويزة، وينشأ فصلًا جميلًا من التزاور والأعراس. حيث إن الكثير من عوائل المعدان في هور الحمار والجبايش وأهوار الكحلاء والحلفاية وشرق دجلة ترتبط بعلاقات قرابة ومصاهرة وقبلية مع معدان أهوار الحويزة التابعة لإقليم الأحواز. وهذا الترابط موجود منذ أيام الدولة الصفوية، ولم يفرق تلك العلاقات والقربى سوى مدافع الحرب العراقية الإيرانية.
وأخبرني شغاتي موظف الخدمة أنهم كانوا في شبابهم يضطلعون بمهمة غريبة وهي تهريب قراء المنابر الحسنية إلى قرى الأحواز عندما يأتون إلى القرية من النجف، ويطلبون من فرهود سائق الشختورة الضخم ليذهب بهم من هور الجبايش وحتى هور مجنون من جهة القرنة، ويوصلهم إلى القرية التي يقيمون فيها المجلس الحسيني. كل عام يبقون فيها من الأول من محرم وحتى نهاية أربعينية الحسين ع. وفرهود معهم وهو من ينتكفل بإعادتهم ويعطونه جزءًا مما يحصلون عليه كأجر لقراءتهم، مع مواد غذائية كالسمن الحيواني والبيض والدجاج والبسط المنقوشة والأزارات.
أنا حين تعينت وجدت فرهود ، والمعلمون يطلقون عليه فرهود عابر الحدود، وابنه تلميذ في الصف الخامس اسمه ماهود…
في الحرب بدأت مغامرات أخرى لفرهود بعد أن توقفت عمليات تهريب قراء المجالس، فصار يهرب الجنود الفارين من الخدمة العسكرية ليعودوا عند أقاربهم. وأكثرهم يبني له بيتًا من القصب ويشتري جاموستين يتقوت منها على أمل أن تنتهي الحرب سريعًا ويعودون إلى قراهم وأهاليهم. ولكن الحرب طالت لسنوات مما اضطر الهاربين أن يعودوا متخفين في القرى أو في الأيشنات. ومن لم يعد تزوج واحدة من أقاربه واستقر في أبدية هور الحويزة. والغريب أني لم أسمع بأي شاب من شباب هور الحويزة هرب من الجندية الإيرانية وجاء مع فرهود ليَعيش مع أقاربه في قريتنا. فقد كان فرهود يذهب بالأياب مع ثلاثة شباب هاربين من الخدمة ويعود فارغًا.
ذات سفرة كان فرهود قد أوصل ثلاثة من الفارين وعاد وحده، ولا يعرف لماذا قرر أن يسلك طريقًا غير طريقه المعتاد. عندما تعرض لكمين من مفرزة عسكرية مهمتها مطاردة الهاربين من الخدمة، حاول دفع مشحوفه بسرعة أكبر ولم يتوقف لنداء التحذير ليقف ويسلم نفسه. فطاردوه ورصاصة اخترقت رقبته من الخلف ليسقط بالماء، لتتركه المفرزة غاطسًا بين القصب. وخلال يومين ظهر جسد مطرود على سطح الماء، وانتبه إليه رعاة جواميس وقد عرفوه، فانتخوا بينهم ليوصلوا جثمانه إلى القرية. ومع بكاء الرجال ونحيب النساء حملوا النعش الذي عادة يكون من القصب يستبدل بتابوت، وقف في جامع الجبابش.
أعطينا ولده ماهود إجازة لمدة أسبوع. وحين تقدمت إليه لأعزيه في المأتم الذي أقامته القرية على روح أبيه، تقدمت منه وقبلته وعزيته لأثبت أنه رجلًا. وهمست له: وفاء لأبيك أتمنى أن تكمل تعليمك ولتأخذ شهادة وتتوظف.
بعيون دامعة رفع رأسه وقال: لا أريد شيئًا أستاذ سوى أن أكون ماهود الذي يعبر الحدود.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر