حسن نجمي.. شعاع ضوء يمتد بين ضريح آنا أخماتوفا وبرج إيفل .. بقلم: عبدالكريم حنون السعيد

منبر العراق الحر :

حين نقترب من تجربة حسن نجمي، لا نكون إزاء شاعر عابر في تاريخ الشعر المغربي، بل أمام روح مضيئة تستمد وهجها من الشرق، وتفتح نوافذها على الغرب، لتجعل من القصيدة مساحةً للعبور بين الثقافات واللغات والذاكرات. إنّه شاعر لا يكتفي بالكتابة، بل يعيش الشعر كما يعيش الهواء والماء، يتنفسه، يختبئ فيه، ويطلّ منه على العالم.
نجمي شاعر يمتلئ بالتجربة الإنسانية، يكتب من قلبٍ خبرَ العشق والخسارة، ومن عقلٍ مطعّم بالقراءة والتأمل. لذلك تأتي نصوصه مشبعة بالأسئلة الكبرى، بالحنين الذي لا يهدأ، وبالرغبة في الإمساك بما لا يُمسك: المعنى، الزمن، الذاكرة، والمطلق.
قصائده تحمل عبق الشرق: إيقاع الصوفية، الحنين إلى الأزقة والأمكنة الأولى، وحرارة اللغة التي تفور من الذاكرة. لكنها في الوقت نفسه تنفتح على الغرب: على تجريب الحداثة، على حرية الشكل، على جرأة الصورة، وعلى عمق الفلسفة. ومن هذا المزج يولد شعره كجسر ممتد بين “ضريح آنا أخماتوفا” و”برج إيفل”، بين الروح الشرقية المشبعة بالحزن والأمل، وبين المعمار الغربي الصاعد نحو السماء.
لم يكن حسن نجمي يومًا شاعرًا منغلقًا على جغرافيا ضيقة، بل هو ابن ثقافتين: الشرق الذي حمله في ذاكرته ووجدانه، والغرب الذي عايشه وقرأه وتفاعل مع نصوصه. قصيدته إذن لقاءٌ بين حضارتين، وفضاءٌ تتحاور فيه الأصوات وتتعانق فيه الرؤى. في نصوصه نجد دفء المتصوّفة وهمسات الشعراء العرب الكبار، لكننا نلمح أيضًا ظلال رامبو وبودلير وأصوات الشعراء الفرنسيين الذين صاغوا ملامح الحداثة.،
القصيدة عند حسن نجمي ليست وصفًا ولا زخرفة، بل مغامرة وجودية. يكتب كأنّه يتأمل العالم في مرآة الروح. كل بيت عنده محاولة لتفسير اللغز، وكل كلمة جسر نحو المطلق. إنّه شاعر مسكون بالدهشة، يرى في الشعر وسيلة لمساءلة الحياة، لا للاكتفاء بها.
حين تقرأه، تجد نفسك أمام نصوص تحمل روح المتصوفة: لغة هادئة، نبرة حنين، ومجازات تفتح أبواب الغياب والبحث عن الحضور. لكنك تجد أيضًا عقل الفيلسوف، إذ تتحول القصيدة إلى ساحة للحوار الداخلي، حيث السؤال لا ينتهي، وحيث المعنى لا يُمسك إلا بقدر ما يظلّ هاربًا.
من أبرز سمات شعر حسن نجمي أنّ المكان عنده يتحوّل إلى ذاكرة، وأنّ الزمن يتجسد في هيئة الأمكنة. البيت، الزقاق، البحر، المقبرة، كلها ليست جغرافيا جامدة، بل شواهد على مرور الإنسان، علامات على انكساراته وأحلامه. المكان عنده مثابة زمنية، ومرآة تحفظ تفاصيل الروح.
هكذا يغدو المكان عند نجمي ليس مجرد إطار للأحداث، بل بطلًا صامتًا، يحمل في داخله صخب الحياة وهدوء الموت.
ما يمنح نصوص حسن نجمي عمقها هو أنّها تكتب من قلب ثقافة واسعة. فهو شاعر وناقد وأديب، قارئ للتراث العربي وللآداب العالمية، متابع للفكر والأسئلة الفلسفية، حاضر في سجالات الهوية واللغة. لذلك، تأتي قصيدته محمّلة بالوعي، لكنها في الوقت ذاته لا تفقد عاطفتها. هو شاعر يمزج الحلم بالفكرة، والذاكرة بالفلسفة، ليقدّم نصوصًا حيّة تنبض بالجمال والفكر معًا.
الشعر عند حسن نجمي ليس ترفًا، بل حياة. يكتب كأنّه يحاول أن ينقذ نفسه والعالم من الغياب. قصيدته ليست مجرد نص للقراءة، بل تجربة للعيش. ومن هنا، يبقى القارئ بعد قراءة نصوصه محمّلًا بذاكرة جديدة، وبحسّ أنّ الشعر يمكن أن يعيد صياغة نظرتنا إلى العالم.
إن تجربة حسن نجمي علامة مضيئة في الشعر المغربي والعربي المعاصر. قصيدته مشبعة بالأسئلة، منفتحة على العالم، متجذّرة في المكان والذاكرة، ومحلّقة في أفق المطلق. هو شاعر يمسك بخيوط الشرق والغرب، ليحوّلها إلى نسيج شعري فريد، يضيء العتمة، ويفتح أمام القارئ أفقًا بلا حدود.
حسن نجمي، هو ذاك الشعاع الذي يمتد بين “ضريح آنا أخماتوفا” حيث الحزن والذاكرة، وبين “برج إيفل” حيث الحداثة والعلوّ. شعاع يذكّرنا بأنّ الشعر جسر بين العوالم، وأنّ الكلمة حين تُكتب بصدق، تصبح وطنًا آخر للإنسان.

اترك رد