منبر العراق الحر :
شتاء الأهوار أطيب هواءً من ربيع أوروبا، أكتشف هذا بعد مرور أكثر من ثلاثين عامًا على مغادرتي العمل في مدرسة بنتها الدولة من القصب في إحدى قرى الأهوار النائية، ولم يكلف بناؤها كله سوى عشرين دينارًا فقط، هي اليوم تساوي سنتًا واحدًا بعملة الاتحاد الأوروبي، والسنت هنا لا تستطيع أن تشتري به أي شيء، لأنه أقل قيمة من الفلس العراقي الذي كنا نشتري به حبة حلوى واحدة أو حبتين.
قريتنا كان اسمها فانوس المالح، ولا علاقة بين الفانوس والملح، سوى ما فسره واحد من المعلمين الثلاثة، وهم كل كادر المدرسة، أن الملح يشع نورًا ببياضه، والفانوس يشع نورًا بناره. لكن واحدًا من أهل القرية أخبرني أن فانوس المالح هو اسم من بنى أول صريفة في هذا المكان وجلب جواميسه لترعى هنا، ثم التحق به إخوانه وأقاربه، فصاروا عشرين بيتًا، دخل منهم إلى المدرسة خمسة فقط، والخمسة عشر الباقين يجيئون من قرى قريبة.
هنا تقع مدرستنا بخمسة صفوف، وكل هذا المعمار سيزحف مترًا أو أكثر ويقترب إلى ضفة الهور كثيرًا يوم يفاجئنا الشتاء بيوم عاصف ومطير، وكذلك الأمر في عجاجة الصيف حيث لم نكن موجودين وقتها. وفي واحدة من السنوات، عندما انتهت العطلة الصيفية وباشرنا في الدوام، وجدنا سجلاتها في بيت ناموس المالح، كبير أهل القرية، والمدرسة بكامل صفوفها المبنية من القصب قد وصلت طائرة على شكل أجزاء متناثرة إلى قرية صويلح الدشر التي تبعد بحوالي ميلين عن قريتنا.
وقتها يخجل المعدان أن يروا وجوهنا لشعورهم أنهم سمحوا للمدرسة أن تطير، ويخشون أن نتحول معها إلى قرية الدشر، فنطمئنهم أن التربية ستجيء بعد يومين لبنائها من جديد، وأن علينا أن نكون ضيوفهم في مضيف كبيرهم.
يفرح أهل القرية أن المدرسة ستبنى من جديد، فيكون كرمهم أسطوريًا حتى يصاب المعلمون بالإسهال من دسومة اللبن الرائب والقيمر الذي يأتون به صباحًا ومساء، وفي الغداء فإن السمك المشوي هو أغلب صحون المائدة. بالرغم من فقر البعض منهم، لكنهم يتناوبون على ضيافتنا، فأغنى بيت فيهم لديه 20 جاموسة، وأفقر بيت لديه أربع جواميس، ذكر واحد وثلاث إناث.
في ذلك الشتاء المطعم بقطرات المطر، وهو يمارس مع البرد غرام حاجة الأجساد والأرواح إلى الدفء الذي يمارسه المعدان طقسًا غريبًا من أسرار الليل الذي ما إن ينتهي طقسه حتى نسمع شخير الرجال يطلق سمفونيات الفرح الفطري بتلك المتعة التي أحلها الله لهم بعد نهار متعب من الرعي. وذلك المنظر الشهي الذي تلاعب فيه أصابع الإناث حلمات أثداء صدور الجواميس وهي تدر الحليب في أواني كبيرة، فتشعر أن تلك الأثداء الهائلة الحجم عندما تكون محملة بالحليب تتحول من فرط انسجامها مع أصابع النساء إلى كتلة من الجلد الأحمر تهتز برعشة. وهذا ما يبدو في مشاعر الراحة والسكينة المرسومة على وجوه الجواميس حيث تسكنها شهية ومتعة النظر إلى ذكورها الذين يفهمون بالغريزة ماذا تريد إناث الجواميس بعد انتهاء عملية حلبهن. وأول الفجر نراهن منتشيات من فصل الدفء الليلي ويذهبن بحماس وفرح ليصنعن القيمر واللبن الرائب.
أما متعتنا نحن المعلمون فتنحصر بين أضلاع مثلث فيثاغورس، يتألف في رغبة الدفء عند طقوس عزوبيتنا والحنين إلى متعة حقيقية، فلا نجدها سوى بقراءة كتاب وسماع المذياع ونحن نجعل البطانيات مأوى لتخيل أن واحدة بجسد ناعم أو مكتنز تمارس معنا تلك اليوغا اللذيذة التي بقيت تمارس وبانتظام حلالًا أو حرامًا منذ عهد آدم وحواء وحتى اليوم.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر