الأدب بين الخصوصية والتفوق….عائد ماجد

منبر العراق الحر :

الأدب هو لغة الحضارة والمجتمع، ويجب أن يكون موجودًا في كل مجتمع له مقومات الحضارة، لنقل وتدوين واقع هذه الحضارة وعاداتها وغير ذلك.

بعد تطور أدوات الاتصال وتقدّم البشر من هذه الناحية، وازدهار الترجمة بكافة اللغات، أصبح البشر فوق تراث هائل من الموروث الأدبي لأممٍ اختفت ولأممٍ موجودة حتى اليوم. فيدّعي الكثير من أبناء تلك الأمم أن أدبهم أعظم الآداب، وهكذا كلّ يغنّي لليلاه. لكن السؤال الأهم: هل هناك أدب يستحق تسمية أعظم الأدب دونًا عن غيره في الأمم الأخرى؟ ولنأخذ أدبنا العربي مثالًا؛ فالأدب العربي، سواء ما نُقل إلينا شفهيًا حتى حُفظ ودُوّن، أو الأدب المدون أصلًا كأدب ما بعد الإسلام، هو أدب غني، خاصة من ناحية الشعر الذي يُعدّ المكون الأساسي له. نستطيع القول ضمنيًا إنه قادر على التفوق على غيره من ناحية الشعر فنيًا على الأقل. لكن هل يمكن مقارنة الأدب العربي بالأدب الروسي أو الفرنسي في فن الرواية؟ بكل تأكيد لا يمكن ذلك. هل يمكن مقارنة الأدب العربي بفن المسرحية الأوروبية بشكل عام؟ أيضًا لا يمكن. فكيف ستكون آلية هذا التفوّق إذًا؟

وحتى في مجال الشعر القديم كالملاحم الشعرية، فهو فنّ قديم لم يكتب به العرب، وذلك عائد لعدم وجود حضارة متماسكة تجمع العرب قبل الإسلام تحت ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ودينية واحدة، على خلاف أمم سابقة كالحضارة السومرية التي أنتجت فنًا كهذا مثل ملحمة كلكامش، وحتى الهند كالمهاباهارتا، والإغريق كالأوديسة والإلياذة، وغيرهم من الأمم. وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على أن لكل أمة ما يميزها في أدبها وتتميز به عن باقي الأمم. فلا يمكن لنا أن نفضّل الأدب العربي بشكل عام على غيره من الآداب، ونحن لم نعرف الرواية إلا بعد الترجمة، خاصة ترجمة رفاعة الطهطاوي لرواية فينيلون عام 1867م، وتتالت بعدها الترجمات للروايات الغربية حتى وصلنا للرواية التي قال المؤرخون إنها بداية الرواية العربية، وهي رواية “حسن العواقب أو غادة الزاهرة” للأديبة اللبنانية زينب فواز، التي صدرت عام 1899م. ولم نعرف المسرحية الشعرية، ولم نعرف القصة القصيرة، إلا بعد ظهورها في أوروبا، رغم وجود تجارب بدائية لها في التراث العربي، بل حتى المقالة لم نكن نعرفها، رغم وجود تجارب بدائية قد تشبهها في التراث العربي كفن الرسائل.

الأدب ليس سباق خيول لنفضّل بعضه على بعض تفضيل عظمة ورداءة، ولنعلي من شأن أدب معيّن حتى يصل إلى مرحلة سماوية، ونقلّل من شأن أدب آخر حتى يصل إلى الحضيض الزائف المقلَّد الرخيص من الأدب الأسمى، بل هو لغة الحضارة وتاريخها المكتوب فنيًا. فلا للعرب أفضلية على الصينيين، ولا للإغريق أفضلية على السومريين أو غيرهم، فما هو إلا نتاج ترابط حلقات الحضارة البشرية من خلال التواصل الحضاري بين الأمم.

اترك رد