منبر العراق الحر :
حين يتكلّم الغياب
كان المقعد الحجري في الساحة القديمة يطلّ على المدينة كما لو أنه جزء منها منذ بدء الخليقة.
يمرّ الناس بجانبه سريعًا، مشغولين بحياتهم، بأخبارهم، وبما لم يكتمل من أحلامهم.
لكن عند الغروب، كانت تجلس عليه امرأةٌ في الستين، كأنها جاءت لتسدّ فراغًا لا يراه أحد سواها.
تحمل دفترًا رماديًّا، جلدُه متشقق كأنه عاش أكثر من أصابعه.
كانت تفتحه ببطءٍ يشبه احترامًا لشيء مقدّس، ثم تكتب.
لم تكن تكتب قصة، ولا رسالة، ولا مذكرة يومية.
كانت تكتب ما لا يحتمله القلب حين يصمت طويلًا.
في أحد الأيام، اقترب منها شابٌ يعمل في المقهى المقابل.
كان يراها يوميًا ولا يفهم سرّ إصرارها على الكتابة في هذا المكان بالذات.
قال لها بخجل:
– لماذا تكتبين هنا دائمًا؟
لم ترفع رأسها. تركت القلم يستريح فوق الصفحة، ثم قالت بنبرة هادئة كأنها تصالح شيئًا داخلها:
– لأن هنا… كان يجلس زوجي.
ومنذ رحيله، صارت الكتابة الطريقة الوحيدة لئلا يختفي صوته تمامًا.
أراد الشاب أن يعتذر عن فضوله، لكنها تابعت:
– الناس يظنون أن موت الإنسان يحدث مرة واحدة…
لكن الحقيقة أنه يموت كلما نُسيت كلماته، وكلما سقطت حكايته من ذاكرة العالم.
وأنا أكتب كي أقاوم هذا الموت الثاني.
لم يقل الشاب شيئًا.
شعر أن المدينة من حوله تغيّرت قليلًا:
كأن الضجيج هدأ، وكأن المقعد القديم صار شاهدًا على ما خسره البشر دون أن يلتفتوا.
بعد أسبوع، وجد الشاب المقعد فارغًا…
وعليه الدفتر الرمادي وحده.
جلس مكانها لأول مرة، ثم فتح الدفتر.
لم يجد اسمها، ولا سيرة زوجها، بل وجد عبارةً وحيدة في الصفحة الأخيرة:
“إذا وصلتك كلماتي، فاقرأها بصوتٍ مرتفع…
لأن الغياب يحتاج أحيانًا إلى شريكٍ في المقاومة.”
قرأها.
لم يكن يعرف لمن يقرأ، لكنّه شعر أنه يشارك إنسانًا غائبًا في استعادة شيء من حياته.
ومنذ ذلك المساء، صار الشاب يجلس عند الغروب،
يفتح الدفتر، ويقرأ صفحةً للهواء، للعابرين، ولمن رحلوا دون أن يكتمل حضورهم.
وببطءٍ جميل، صار كثيرون يتوقفون ليسمعوا.
بعضهم ابتسم، بعضهم بكى،
وبعضهم جلس قليلًا كأنه يضع يدًا على جرحٍ لم ينتبه إليه من قبل.
وهكذا، صار الدفتر الرمادي جزءًا من ذاكرة المكان،
وصارت المرأة الغائبة حاضرةً بطريقة لم يتوقعها أحد.
فالذين نحبهم لا يغادرون حين يرحلون…
يغادرون فقط حين نتوقف نحن عن الإنصات.
====================================
—
قصيدة: «لا أحد خارج الضوء
بقلم رانية مرجية
على هذه الأرضِ
وُلدنا من ترابٍ واحد،
من يدٍ واحدةٍ نفخت فينا الحياة،
ومن دهشةٍ أولى
تعلّمنا أن السماء ليست ملكًا لأحد،
وأن باب النور
يفتحه قلبٌ…
لا طائفة.
1. أصوات البشر حين تتحرّر من الخوف
قالَ المسلمُ:
أصلّي كي يتخفّف العالم من جراحه،
كي تتسع الأرضُ للمارّين في صلواتهم المختلفة.
أؤمن بأن الله رحيم،
وأن رحمتَه لا تعرفُ الهويات الضيقة.
وقالَ المسيحيُّ:
المحبّة وحدَها تُبقي الإنسان إنسانًا،
وكل ما عداها
غبارٌ على نافذة الروح.
من أحبّ الآخر…
وسّع ملكوت الله في الأرض.
وقالَ اليهوديُّ:
الربُّ واحد…
فكيف يقبل الواحدُ بالانقسام؟
نحن شراراتٌ من نارٍ واحدة،
لكنّ كلّ شرارةٍ
تتوهجُ بطريقتها.
2. أصوات الحكمة العميقة
وقالَ الدرزيُّ:
الحكمةُ بيتٌ واسع…
لا يُغلق بابُه على أحد.
من عرفَ نفسَه
لم يخف من اختلاف الوجوه،
ومن عرفَ الله
أحبّ الناس جميعًا.
وقالَ الإيزيديُّ:
أنا ابنُ الشمس…
ومن يسير نحو الضوء
أراه أخًا.
علّمتني الجراحُ
أن الناس لا يتشابهون في الألم،
لكنّهم يتساوون في استحقاق الكرامة.
وقالَ البهائيُّ:
الأرضُ وطنٌ واحد،
والإنسانُ سطرٌ واحد
في كتابٍ كبيرٍ اسمه الإنسانية.
3. أصوات الروح العارية
وقالَ الصوفيُّ:
رأيتُ الله في وجهٍ لا يشبه وجهي،
وفي صلاةٍ لا تشبه صلاتي،
وفي نبرةٍ لا أنتمي إلى لغتها.
الحبُّ طريقٌ
لا يحتاجُ خرائط.
وقالَ الملحدُ:
أنا لا أرفض نوركم،
أنا فقط أبحث عن يقينٍ آخر.
احترمُوا بحثي،
أحترمْ إيمانَكم…
ولو لم أتبعه.
وقالَ الباحثُ عن الحقيقة:
أمشي…
ولستُ متأكدًا إلى أين.
لكنني أرى قناديلَ كثيرة،
وكلّ قنديلٍ
يحمل احتمالًا للمعنى.
4. حين تقترب الأرواح… يسقط نظام الظلال
وحين اجتمعت الأصوات،
تكلمت الأرضُ أولًا:
لا أسألُ المارّين عليّ
إلى أيّ دينٍ ينتمون،
أسألهم فقط:
هل تُخفّفون عن بعضكم؟
وتكلّمت السماء:
ما عاد يهمّني شكلُ صلاتكم،
بل مقدارُ النور الذي تتركونه خلفكم
وأنتم تعبرون.
وقالت الأرواح معًا:
نحن أنهارٌ كثيرة،
لكنّ البحر واحد.
نوافذُ كثيرة،
لكنّ الضوء واحد.
أسماءٌ كثيرة،
لكنّ الإنسان…
إنسانٌ في كلّ الأزمنة.
5. الخاتمة: وصيّة للقرن القادم
لا تتركوا أحدًا خارج الضوء،
فالعتمةُ تبدأُ من قلبٍ واحد
حين يشعرُ أنه منفيٌّ عن الإنسانية.
والنور يبدأُ من كلمة،
ومن يدٍ تُرفع لا للاتهام…
بل للسلام.
نحن لسنا جيوشًا من المعتقدات،
ولا رُسلًا للطوائف،
ولا ظلالًا تتقاتل على اسم الله.
نحن—على اختلافنا—
قصيدة واحدة
تبحث عن شاعر عادل
يسمّيها:
الإنسان.
============================
حين يحمل الجسدُ الوطن
ملحمة إنسانية عن الذين هُجِّروا كي لا تُنسى قصّتهم
بقلم رانية مرجية
الفصل الأول — حين يتشقّق الصباح
لم تبدأ المأساة بانفجار.
بدأت بارتعاشةٍ وقفت فيها امرأة عند نافذتها،
ورأت في الضوء ما ليس ضوءًا،
وفي الهواء ما ليس هواءً.
كانت المدينة تستيقظ ببطء،
والأطفال يركضون خلف رائحة الخبز،
لكن قلبها كان يعرف:
هذا الصباح لا يشبه الصباح.
وحين انفجر الصوت الأول،
لم تصرخ…
بل أمسكت أبناءها
وكأنها تمسك الأرض بيدٍ واحدة.
الفصل الثاني — الباب الذي لا يعود يُفتح
لم تغلق الباب خلفها.
كان الباب يرتجف،
كأنه يخجل من عجزه،
كأنه يعرف
أنه لن يُفتح لها ثانية.
“هل سنعود؟”
سأل الأطفال.
لكن الأمّ التي لا تعرف الإجابة
تصمت…
فالصمت أصدق من الوهم.
الفصل الثالث — الطريق الذي يتعلّم من أقدامها
بدأت الرحلة بخطوة،
ثم ثانية،
ثم صار المشي قدَرًا
طويلًا كالمنفى،
ثقيلاً كالغبار.
كانت تحمل طفلًا على كتف،
وآخر يمسك طرف ثوبها،
وثالثًا يحاول فهم
كيف تتحول المدن
من مأوى
إلى رماد.
ومع كل خطوة
كانت تفقد شيئًا،
ورغم ذلك
تكسب شيئًا أكبر:
قوّةً لا تأتي إلا من الجرح.
الفصل الرابع — المدن التي لا تتذكّر
وصلت إلى مدينة جديدة.
مدينة بلا رائحة،
ولا ذاكرة،
ولا لغة تنادي اسمها.
كانت تمرّ بين الناس كظلٍّ لا يلتفت أحدٌ إليه،
وتتحسّس وجودها ليلًا
لتتأكد أنها ما تزال هنا،
فالمنفى
يمحو الإنسان ببطء
كما يُمحى خطٌّ رقيق على الرمل.
ولم تعد تثق بالجدران—
لأن الجدران تَسقط
وتترك أهلها في العراء.
فقرّرت أن تسكن
في المسافة بين الأشياء:
بين الماضي والغد،
وبين الخوف والبقاء.
الفصل الخامس — الأيام التي تربّي الصمود
كبر أطفالها،
واشتدّ الحنين في عظامها،
لكن الحكاية
لم تتغيّر.
كانت تلمّع الصبر كل صباح
كما تُلمّع الأمهاتُ أحذية أبنائهن،
وتخبّئ دمعها
كما يُخبَّأ الذهب
في زمنٍ يخون الذهب.
لم تسعَ إلى بطولة،
كانت تسعى فقط
أن يظلّ أطفالها على قيد الحياة.
لكنها أصبحت—من حيث لا تريد—
رمزًا للصمود؛
أيقونةً للذين يمشون
بين جرحٍ وجرح
دون أن يسقطوا.
الفصل السادس — كي لا تُنسى الحكاية
الحكاية ما زالت تمشي…
تتنقّل من قلبٍ إلى قلب،
ومن جيلٍ إلى جيل،
كي لا يُقال يومًا:
“لم يحدث شيء.”
تُروى
لأن الهجرة لم تكن رقمًا،
بل روحًا اقتُلِعت من مكانها،
ولم تجد مكانًا لتعود إليه.
تُروى
كي لا ينسى العالم
أن هناك امرأة
مشَت في وجه الليل،
وحملت وطنًا كاملًا على كتفيها،
وظلّت واقفة
حين سقطت المدن،
وباقية
حين لم يبقَ أحد.
امرأة
لم تنتصر الحرب عليها،
ولا المنفى،
ولا المسافة.
امرأة
يحمل جسدُها الوطن—
كي لا يضيع الوطن.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر