اخر خيط في ذاكرة الرماد….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في مدينةٍ أنهكتها الحروب حيث يقف الغبار على النوافذ كأنه حارسٌ عجوز، عاشَ فتى يُدعى يوسف، يمتلك شيئاً لم يعد شائعاً بين الناس: إيمان عنيد بأن الغد يمكن أن يكون أجمل.
كان يوسف يبيع الكتب القديمة على عربة خشبية ورثها عن أبيه وفي كل صباح يدفع العربة عبر الأزقة بابتسامته الهادئة، يقرأ العناوين بصوتٍ منخفض كأنّه يوقظ أرواح الكتّاب من سباتهم والناس أحبوه، ليس لأنه يبيع الكتب، بل لأنه كان يبيع أملاً مقروءاً.
وذات يوم، جاءت امرأة غريبة ترتدي عباءة سوداء وتحمل في يدها دفتراً محترق الأطراف وقفت أمامه وقالت:
هل تعرف كيف يعاد بناء الماضي ؟
تفاجأ يوسف أجابها :
“الماضي لا يُبنى… لكن يمكننا أن ننقذ ما بقي منه.”
وفتحت المرأة الدفتر وبين صفحاته المحروقة ظهرت خريطة قديمة لحيّ اندثر بفعل الحرب وكانت تبحث عن منزلٍ اختفى… منزل كان يحمل سرّ عائلتها.
وانطلق يوسف معها، يقودها عبر الشوارع الضيقة والأنقاض وكلما تقدما خطوة، كان يشعر أن الخريطة لا تقود إلى بيت بل إلى قلبه هو… إلى شيء ضائع لم يعثر عليه منذ رحل أبوه.
بعد رحلة طويلة، توقفا أمام جدار محطم، لا يشبه سوى أثرٍ لشيء كان وركعت المرأة على الأرض تبكي، لكن يوسف لم يسمح للدموع أن تنهي الحكاية وبدأ يزيل الركام بيديه، حتى وجد صندوقاً صغيراً مغلقاً بطبقة من الرماد المتحجر.
فتحت المرأة الصندوق ولم يكن فيه ذهب، ولا وثائق ثمينة… بل رسالة.
كانت تحمل سطرين فقط :
“لا تتركوا هذه المدينة… فهي تعرف أسماءكم أكثر مما تعرفونها.”
نظرت المرأة إلى يوسف بعينين ممتلئتين بالدهشة والألم :
“هذه ليست رسالة لأسرتي… بل لكل شخص بقي هنا رغم كل شيء.”
وابتسم يوسف للمرة الأولى منذ سنوات وشعر أن المدينة رغم الخراب ما زالت تتنفس في قلوب من رفضوا الهروب منها.
وفي تلك اللحظة، أدرك أن الأمل ليس فكرة… بل شخص يقف وسط الركام ويحاول.

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد