” أم كلثوم ” …..حين تفشل الإساءة في اغتيال الرموز….رشيدة دبيح

منبر العراق الحر :
ليس غريبا أن تستهدف الرموز الكبرى حين تعجز الرداءة عن صياغة قيمة موازية لها .
فكل محاولة لتشويه ” أم كلثوم ” لا تقول شيئا عنها ، بقدر ما تكشف عن فقر أخلاقي وفني لدى من يحاولون إعادة صياغة التاريخ على نفس مقاس الإثارة الرخيصة .
ماقدم بفيلم ” الست ” من وصف لأم كلثوم : كونها بخيلة وحادة الطبع ومدخنة شرهة ، عالية الصوت . ليست قراءة فنية ولا معالجة انسانية ؛ بل اختزال فج ومتعمد لشخصية مركبة ، ثرية ، نادرة الحضور ؛ شكلت وجدان أمة .
لقد درست شخصية ” أم كلثوم ” بعمق ، لا من خلال الأساطير ، بل عبر حواراتها المسجلة صوتا وصورة ، وخطاباتها وطريقة حديثها ونبرة صوتها خارج المسرح .
وما وجدته كان نقيض ما حاول هذا الفيلم السطحي الردئ
الهزيل على كل مستوياته تسويقه ..
” أم كلثوم ” أمرأة مثقفة بوعي حاد ، رقيقة في حديثها ، هادئة الصوت ، دقيقة التعبير ، فصيحة اللسان ، ذكية الي حد يربك محاوريها ، لماحة سريعة البديهة ، خفيفة الظل والدم ، تتمتع بروح حاضرة في كل مجلس .
” أم كلثوم ” لم تكن مجرد صوت ؛
كانت مشروع وعي ،
تعرف متى تتكلم ومتى تصمت ، ومتى تبتسم ، شخصية حاسمة متزنة وقورة وذات كاريزما عالية ، قارئة متذوقة للأدب وعظيم الأشعار العربية الفصيحة التي جعلتنا نستمتع بسماعها على مدار القرن .
وهذا ما يزعج من لا يفهمون أن القوة لا تعني الصخب ، وأن الحزم لا يلغي الرقي وسلامة الذوق .
أما عن كرمها وأنسانيتها ، فهما موثقان لا يحتاجان إلى دفاع
زيارتها للمغرب على سبيل المثال لا الحصر ، ليست حكاية عابرة ، بل شهادة حية على تواضعها وقربها من الناس .
سيدة بمكانتها الرفيعة تتبرع بخروفي العيد لعائلة مغربية بسيطة ، وتقضي معهم يوم العيد كاملا ، لم تفعل ذلك استعارضا ولا بحثا عن صورة أو ” تريند ” ، بل لأن الأنسان فيها كان سابقا للفنانة .
أم كلثوم التي جمعت المال لم تكن بخيلة ،
بل كانت واعية بقيمة الاستقلال وبضرورة الابتعاد عن المستغلين والطماعين ، وبثمن الكرامة في زمن لم يكن يرحم النساء الناجحات .
والتي وصفت بالحدة ، لم تكن سوى أمرأة تعرف ماذا تريد ، وترفض أن تدار من خلف الستار .
إن محاولة تشويه ” أم كلثوم ” ليست صدفة ….
نحن نعيش زمنا تستهدف فيه الرموز الثقافية و الفنية ، لا لأنها أخطأت ، بل لأنها مرتفعة أكثر مما يحتمل الانحدار العام .
لكن التاريخ لا يكتب بالافلام وحدها ، بل بالذاكرة ، وبالوثائق و بالصدق .
و” أم كلثوم ” ….
أكبر من أن تنال منها لقطة ،
وأعمق من أن تختصر في عيب ،
وأبقى من كل محاولات التشويه ،
فالرموز الحقيقية لاتحتاج الي تلميع ،
لأن نورها لا يأتي من الخارج
بل من جوهر لا ينطفئ …..

قد تكون صورة ‏‏‏كلارينيت‏، و‏‏ناي‏، و‏أوبوا‏‏‏ و‏نص‏‏

اترك رد