المقامة الكنغرية : في تقلّب أحوال القفّازة …صباح الزهيري

منبر العراق الحر :

نشرالسيد طارق فتحي مقالا عن تغيير مواقف أحد داعمي النظام الطائفي لما بعد الغزو , ففي حين أنه كان أحد ألأصوات العالية لنظام ماقبله , حيث نشط سابقا في التملق البعثي , وكتب ألأغنية الشهيرة :

منين طلعت هالشمس ؟ مناك , من العوووووجة ,

 

واليوم يعدل بوصلة التملق الى شيوعية كاذبة واسلاموية منافقة , فنستطيع أن نصفه بأنه الشكل الكنغري , حيث أنه دائم القفز من حضن لحضن آخر , وأحببت أن أكتب هذه المقامة مستلهماً من دراسة ميكانيكا القفز , وتوفير الطاقة الأيضية لدى الكناغر , لإسقاطها على كناغر السياسة الذين أتقنوا فن الوثوب بين العهود دون بذل جهدٍ أخلاقي يذكر.

 

حدثنا عيسى بن هشام قال :

رأيتُ في بغداد زمن التحولات ,

عجباً من العجب ,

وأمراً يحيّر اللبيب المستعجب ,

رأيتُ رجالاً كأن جلودهم من مطاط ,

وقلوبهم من سُرّة منبسطة ,

يمشون بين الناس بمشيةٍ خماسيةِ الأطراف في سكون الليل ,

فإذا حميَ وطيسُ المصالح ,

ورأوا بريق الدولار أو لمعان الكرسي ,

استحالوا كناغراً , تخرق الآفاق بوازع الانتهازية ,

دخلتُ مجمعاً يضمُّ المحللين والمتحدثين ,

فإذا بصاحبنا – الذي كان بالأمس يصدحُ بتمجيد النظام الوطني والبعث العتيد ,

ويقسم بأغلظ الأيمان على الوفاء للحدود والجنود –

قد استبدل الزيتوني ببدلةٍ إفرنجية ,

وصبغَ لحيتَه بلون المرحلة ,

وبدأ يثبُ وثباتٍ كنغرية نحو عراقِ ما بعد الغزو وما تلاه من ولائم , فقلتُ في نفسي :

يا سبحان الله , كيف لهؤلاء أن يقطعوا المسافات بين المتناقضات دون تعبٍ أو نَصَب ؟ .

 

وفي ميكانيكا الوثب الانتهازي , تذكرتُ حينها ما قاله أهلُ العلم في جامعة صن شاين عن أوتار الكنغر وإجهاد أقدامه , فهؤلاء المتحولون قد ابتكروا نموذجاً ثلاثي الأبعاد للنفاق , إنهم عند السرعات المنخفضة – أي حين تكون المناصب بعيدة – يجرّون أذيالهم بتؤدة , فإذا لاح لهم السياسيُّ الجديد ملوّحاً بالإعطيات , استنفروا أوتار أخيلهم السياسية , إنهم كما كشفت دراسة إي لايف E-Life , لا يتكبدون تكلفة إضافية في الطاقة عند زيادة سرعة التغيير , فكلما زاد انحناؤهم للرياح القادمة من خلف البحار , زاد تخزينهم للطاقة المرنة في جيوبهم , مما يعادل القوة العضلية التي قد تُبذل في التفكير أو المبدأ. ولأنه خريف المبادئ , قلتُ لصاحبي وقد رأيته يخطبُ في قناةٍ مُجنسة :

 

يا هذا , ألم تكن بالأمسِ سادنَ المعبد القديم ؟ فما بالُ كاحلك اليوم قد انحنى حتى كاد يلامسُ الثرى في حضرةِ الغازي؟

فضحك بملءِ فمهِ وقال :

يا عيسى , المواقفُ هي خريف العلاقات , يتساقطُ منها المزيفون كأوراق الشجر , وأنا شجرةٌ لا تموت , بل تُغيرُ لونَ ورقها في كل فصل ,

ألم تسمع عن تكلفة توليد القوة ؟ ,

إن الثباتَ على المبدأ يكلفُ طاقةً أيضية عالية , أما القفزُ مع القويّ , فيوفّرُ الجهد , ويزيدُ من مخزون الكرامة الحركية التي نبيعها في سوق النخاسة الإعلامية . ولما نظرتُ إليه في حظيرة الكناغر العراقية , فإذا به يعتمدُ المشية الخماسية حين يداهنُ العامة , ويتحولُ للوثب العالي , حين يقتربُ من صُناع القرار, إن سرعة انحنائه عند مفصل الكاحل السياسي تزدادُ مع زيادة كتلةِ العطاء , فيُقللُ من الطاقة المرنة للضمير, ليزيدَ من إجهاد وتر التملق , وبذلك يحافظُ على نفس مقدار صافي العمل في حسابه البنكي , بغض النظر عن سرعةِ تبدّل الحكومات , ولما رآني أطيلُ النظر في ميكانيكا قفزه , أدارَ لي ظهره , ووثبَ وثبةً كنغرية طار بها إلى روضة القفز ومستقر النهاز , التي يسمونها المنطقة الخضراء , تاركاً وراءه أوراقاً خريفيةً ذابلة , هي ما تبقى من تاريخه الذي كان يزعمُ أنه وطني .

 

أضاف عيسى بن هشام :

عجبتُ لصاحبنا القفّاز كيف يبررُ هذا التقلبَ بميكانيكا العلوم , فدنوتُ منه وهو يتأهبُ لوثبةٍ جديدة نحو منصبٍ سيادي , فقلتُ له :

يا أبا الوثبات , لقد استندتَ إلى دراسة جامعة صن شاين كوست , فهل وعيتَ أن الكنغر يثبُ ليبقى على قيد الحياة في أدغال أستراليا , أما أنت فتثبُ لتميتَ ما تبقى من حياء في أدغال السياسة ؟

فنظر إليّ شزراً , وكأنه يقيسُ زاوية مفاصله قبل الإجابة , وقال :

 

يا عيسى , إن العلم لا يُحابي العواطف , لقد أثبتت لورين ثورنتون أن الكنغر حين تزداد سرعته , تزداد زاوية انحناء أطرافه الخلفية , ونحنُ – معشرَ المحللين والمتحولين – كلما زادت سرعة الأحداث من غزوٍ, فاحتلالٍ , فمحاصصة , زدنا من انحناء ظهورنا , هذا الانحناء ليس ذُلاً , بل هو تخزين للطاقة المرنة في وتر أخيل السياسي , لكي نستعيدها في القفزة القادمة نحو المائدة الجديدة , وهي التي يسمونها طاقة الضمير المرنة. وتابع مستطرداً وهو يشيرُ إلى شاشة التلفاز وشارحا نموذج التقاط الحركة لتبديل الموقف :

 

ألم تقرأ عن النموذج ثلاثي الأبعاد الذي ابتكره فريق الدراسة ؟ نحن أيضاً لدينا نموذجنا , نراقب لوحة قياس القوة على الأرض , فإذا كانت القوة للأجنبي , مالت رؤوسنا يميناً , وإذا كانت للميليشيا , مالت يساراً , وإذا كانت للشعارات الوطنية , أبقينا أطرافنا الخمسة اليدين والرجلين واللسان تلامس الأرض في تظاهرٍ بالثبات , إنها عملية تحليل طاقة المفاصل , فمعظم جهدنا يتركز في مفصل الكاحل , لأنه العضو المسؤول عن الالتفاف السريع حين يغرق المركب . وعن استعادة الطاقة من جراح الوطن , قلتُ له :

ولكن الدراسة تقول إن هذا الالتفاف والانحناء يُقلل من الطاقة الحركية المرنة للكاحل , ويزيد الإجهاد على الأوتار ,

 

فقهقه حتى بدت نواجذه وقال:

هنا يكمنُ السرُّ يا مسكين , نحن نُجهد أوتار كرامتنا عمداً , لأن الإجهاد في عرفنا يعني زيادة كمية الطاقة التي يمكن تخزينها وإعادتها , فكلما أُهنّا أنفسنا في حضرة الحاكم الجديد , خزنّا رصيداً نستخدمه للقفز فوق رقاب الشعب في الدورة الانتخابية القادمة , نحن نُخالف اتجاه تكلفة توليد القوة , فبينما يستهلك الصادقون أعمارهم وطاقتهم في الثبات , نصلُ نحن إلى القمة بالقفز, وبأقل تكلفة أيضية ممكنة .

 

ثم تركني ووقف أمام الكاميرا , وقد تحول الزيتوني القديم في ذاكرته إلى غبار , وبدأ يمتدح الديمقراطية المستوردة بنفس النبرة التي كان يمتدح بها القائد الضرورة , وكأن حنجرته مزودة بمحرك هيدروليكي , يغير النغمات حسب ترددات القوة المبذولة على الأرض , فأنشأتُ أقول في وصفه :

 

تراهُ رزيناً في الرخاءِ مشيُّهُ

خماسيَّ أطرافٍ يجرُّ به الذيلَا ,

فإن لاحَ دولارٌ تسامتْ وثوبُهُ

وصار ككنغرٍ لا يبتغي النيلَا ,

يُطوّعُ أوتارَ النفاقِ لسرعةٍ

ويجعلُ من قفزِ العيوبِ له نيلَا ,

فيا بؤسَ شعبٍ في حماه كناغرٌ ,

ترى القفزَ مَجداً والوقوفَ هو الثُكلَا .

اترك رد