المجتمع العجيب : حيث العبث يلتقي بالجدية والفوضى تصنع النظام …. د .رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

في هذا المجتمع العجيب يبدو أن البشر قد اتفقوا دون تصريح رسمي على أن كل شيء يجب أن يكون معقدًا بلا سبب وأن القوانين موجودة فقط لتُخالف والأوامر لتُسخر منها الأقدار والناس هنا محترفون في فن التظاهر بالانشغال وهم كذلك محترفون في فن التأجيل والتبرير وأحيانًا أشك أن البعض يعتقد أن مجرد وجوده في المكان ذاته يعتبر إنتاجًا وأن الكلام الطويل بلا معنى هو مؤشر على الذكاء وأن الشاي الصباحي يتطلب خطة استراتيجية وميزانية وطنية.

السياسة هنا ليست مجرد نشاط أو وظيفة بل هي مسرحية متواصلة والسياسيون لا يأتون لحل المشكلات بل لإعادة تعريفها بطريقة تجعل الناس يبدون مشغولين والكلمات اللامعة تُلقى على المنابر لكن معظمها لا معنى له أو على الأقل لا معنى له لأي شخص سوى المتحدث نفسه وكل وعد انتخابي يُقابل بابتسامة متهكمة من المواطنين، لكن لا أحد يلوم أحدًا، لأن الجميع يعلم أن اللعبة مستمرة وأن الفائز الحقيقي هو من يظل قادرًا على الكلام أكثر من غيره، بغض النظر عن النتائج.

أما مواقع التواصل الاجتماعي فهو عالم من الخيال العلمي الواقعي يتسابقون على تقديم الأخبار المثيرة التي غالبًا ما تكون أخبارًا بلا قيمة أو أخبارًا موجودة في الواقع لكنها تحتاج إلى تفسيرات مبالغ فيها والمهتمون هنا أبطال في نقل الحدث بصيغة درامية وكأن كل حادثة بسيطة هي بداية حرب عالمية جديدة وكل خطأ صغير يفتح أبوابًا للتحليلات التي لا نهاية لها بينما الحقيقة غالبًا ما تُختصر في جملة واحدة لكنها لا تصل إلى أحد.

التعليم ليس أفضل حالًا المدارس والجامعات تمثل ملاعب للروتين الممل حيث يتقن الطلاب فن الحفظ دون فهم وفن التسويف دون عقاب فالمدرسون محاصرون بين رغبة في التعليم وضغوط من مناهج لا تنتهي وكم هائل من الأوراق التي يجب أن تُملأ لتبدو العملية التعليمية نشطة بينما العقل البشري غالبًا ما يبحث عن مخرج سريع من كل هذه الفوضى المنظمة والتعليم في هذا المجتمع هو مزيج بين الكوميديا والتراجيديا فنحن نتعلم أشياء لا نحتاجها وننسى أشياءً قد تنقذنا في الحياة اليومية.

في عالم العمل، كل شيء رسمي بشكل مبالغ فيه وكل شيء غير رسمي بطريقة تجعلك تضحك على جنون المنطق والاجتماعات لا تنتهي أبدًا والقرارات غالبًا ما تولد مشاكل أكثر من التي تحلها والموظفون بارعون في فن الانتظار وفي فن الحديث عن العمل دون القيام به وفي فن الدفاع عن فشلهم باعتباره استراتيجية ذكية والأرقام والإحصاءات تُستخدم لتجميل الواقع والتقارير تصف مشاكل مستمرة وكأنها إنجازات غير قابلة للنقد.

العلاقات الاجتماعية بالطبع ليست أقل غرابة وكل فرد يمتلك نظرية شاملة عن الحياة والآخرين وغالبًا ما تكون مستمدة من تجربة عابرة أو من فيلم شاهده منذ سنوات والأصدقاء يتحولون إلى مستشارين سياسيين والعائلة تتحول إلى محكمة عليا للحكم على كل سلوك بينما نحن جميعًا نحاول التظاهر بأننا نفهم بعضنا البعض والحب هنا أيضًا معقد، فهو مزج بين الرومانسية الواقعية والخيال الذي لا أساس له. الغرام يتحول أحيانًا إلى مسرحية كوميدية، والمشاعر الصادقة تصبح سلعة نادرة يحتاجها الجميع.

أما التكنولوجيا فهي بركة ونقمة في الوقت ذاته. الهواتف الذكية تُسيطر على كل لحظة والتطبيقات تتحكم في حياتنا وتعلّمنا أشياءً لم نكن بحاجة إليها أبدًا، بينما ننسى أبسط الأمور كالتحدث وجهاً لوجه أو النظر إلى السماء دون التقاط صورة لها أو مجرد الاستمتاع بلحظة هدوء دون إخطار الجميع بها على وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت جعل العالم قرية صغيرة لكن يبدو أن كل هذه القرية تتنافس على من يكون الأكثر جنونًا والأكثر ضحكًا على نفسه.

المظاهر في هذا المجتمع أهم من الجوهر وكل شيء يُقاس بالصورة بالكلمة بالانطباع الأول والصدق أصبح نادرة والحكمة غالبًا تُكتب على لافتات بلا معنى ليقرأها الجميع دون أن يفهمها أحد والناس يحكمون على بعضهم البعض بالظهور بينما يغفلون عن الجوهر وحتى أكثر الناس جديةً يجدون أنفسهم يضحكون على سخافة المواقف اليومية لأن الحياة في نهاية المطاف ليست أكثر من مسرحية كبيرة وكل شخص لاعب فيها حتى لو لم يكن يعرف نصه.

أما الاقتصاد فهو لوحة فنية من الفوضى المنظمة والأسعار تتحرك بلا منطق، والبنوك تنظم الحياة وكأنها سلطة عليا والتجار يبتكرون طرقًا جديدة لإقناعك بأن ما تشتريه اليوم ليس مجرد سلعة بل تجربة حياتية لا يمكن تفويتها والعملة تفقد قيمتها بسرعة بينما الأفكار والمخططات الاستثمارية تولد وتختفي كما لو كانت فقاعات صابون ملونة.

وفي نهاية المطاف نجد أن هذا المجتمع العجيب بكل تناقضاته وسخافاته يقدم درسًا واحدًا واضحًا : الحياة ليست جدية أبدًا، لكنها جديرة بالضحك حتى لو كان الضحك على أنفسنا أولاً والقدرة على تقبل العبث والمشاركة في المسرحية الكبرى دون أخذ أي شيء على محمل الجد هو ما يجعل الحياة محتملة وربما ممتعة أيضًا وبين كل هذا نجد لحظات صغيرة من الجمال من الصداقة من الحب ومن الضحك الصادق الذي يخرجنا للحظة من عبث الحياة اليومية.

وفي النهاية ربما يكمن سر البقاء في هذا المجتمع في القدرة على الضحك معًا على تحمل التناقضات وعلى صنع لحظات من المرح وسط كل هذا الجنون فربما ومع كل هذه الفوضى المنظمة بعناية نجد أنفسنا نعيش تجربة إنسانية فريدة لا يمكن تكرارها ولا يمكن فهمها بالكامل لكنها بالتأكيد ممتعة… نوعًا ما…

د .رافد حميد فرج القاضي

اترك رد