منبر العراق الحر:
ان دعوة رئيس البطريركية الكلدانية الكاثوليكية في العراق والعالم الكاردينال لويس روفائيل ساكو الحكومة العراقية الجديدة إلى أن “يكون التطبيع في العراق ” في كلمته في قداس أعياد ميلاد المسيح في كنيسة مار يوسف للكلدان الكاثوليك بالعاصمة بغداد ففي كلّ مرّة يُثار فيها اسم شخصية دينية بحجم لويس ساكو في سياقٍ سياسيّ شديد الحساسية مثل التطبيع لا يكون الجدل عابرًا ولا النقاش بسيطًا لأن القضية هنا لا تتعلّق بشخصٍ بقدر ما تتعلّق بتاريخٍ مثقلٍ بالجراح ووعيٍ جمعيٍّ تشكّل على وقع الاحتلالات والحروب والخذلان وذاكرةٍ عربيةٍ وعراقيةٍ ترى في التطبيع مسألة وجود وهوية قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.
الحديث عن مطالبة لويس ساكو بالتطبيع ـ سواء كان قائمًا على تصريحٍ مباشر أو قراءةٍ سياسيةٍ لتلميحٍ أو موقفٍ أو خطابٍ عام ـ يفتح أبوابًا واسعة للتساؤل لا عن الرجل وحده بل عن حدود الدور الديني في السياسة وعن الخط الفاصل بين الدعوة إلى السلام والدخول في مسارات تُفسَّر شعبيًا على أنها تنازل عن الثوابت.
العراق بوصفه بلدًا مثقلًا بالانقسامات والذاكرة الدامية لا يتعامل مع فكرة التطبيع بوصفها خيارًا دبلوماسيًا محضًا بل بوصفها جرحًا مفتوحًا في الوعي الجمعي فالعراقي الذي عاش الحصار والاحتلال والإرهاب يرى القضايا الكبرى وعلى رأسها القضية الفلسطينية امتدادًا لمعاناته لا ملفًا خارجيًا منفصلًا.
من هنا فإن أي خطاب يُفهم منه تليين الموقف تجاه “إسرائيل” يُقابَل بحساسية شديدة خصوصًا إذا صدر من شخصية دينية يُفترض بها أن تكون صوتًا أخلاقيًا لا سياسيًا.
لويس ساكو بصفته رجل دين مسيحي عراقي لطالما قدّم نفسه بوصفه داعية تعايش وسلام وهذا في حدّ ذاته ليس موضع إشكال.
فالدعوة إلى السلام قيمة إنسانية سامية بل ضرورة أخلاقية في عالمٍ تلتهمه الحروب لكن الإشكال يبدأ حين يختلط مفهوم السلام بمفهوم التطبيع وحين يُختزل الصراع التاريخي الممتد لعقود من الاحتلال والقتل والتهجير في خطابٍ أخلاقي عام يتجاهل ميزان القوة والعدالة والحقوق المغتصبة.
إنّ السلام في الوعي الشعبي العراقي والعربي لا يُفهم بوصفه غيابًا مؤقتًا لإطلاق النار بل بوصفه تحقيقًا للعدالة أولًا أما التطبيع كما يُنظر إليه فهو تجاوز للعدالة وقفز فوق الدماء وتحوّل من منطق الحق إلى منطق الأمر الواقع لذلك فإن أي حديث عن “قبول الآخر” أو “التعايش” حين يُسقط على كيانٍ قام على الاحتلال يُقرأ بوصفه تبريرًا غير مباشر حتى وإن لم يكن القصد كذلك.
من هنا فإن الجدل حول لويس ساكو لا ينفصل عن سؤال أعمق :
هل يحقّ لرجل دين مثل ساكو أن يقدّم رؤيته السياسية الخاصة على أنها موقف أخلاقي عام ؟
وهل يجوز نقل مفاهيم لاهوتية أو إنسانية مجرّدة إلى ساحة صراعٍ سياسي غير متكافئ، دون الوقوف عند جذور الظلم ؟
ثمّة من يدافع عن ساكو ويرى أن ما يُنسب إليه هو اجتزاء أو تأويل متعمّد وأن الرجل لم يطالب صراحة بالتطبيع بل دعا إلى الحوار ونبذ الكراهية وهذا الدفاع يطرح بدوره إشكالية الإعلام والخطاب العام وكيف يمكن لعبارةٍ غير محسوبة أو تصريحٍ فضفاض أن يتحوّل إلى موقفٍ سياسي كامل في الوعي الشعبي.
في المقابل يرى منتقدوه أن الزمن ليس زمن رماديات وأن الحديث عن السلام دون تسمية الجلاد ودون الإشارة إلى الاحتلال بوصفه أصل المأساة هو انحياز صامت وأن الصمت في القضايا الكبرى ليس حيادًا بل موقفًا.
ويذهب هؤلاء إلى أن ساكو رجل دين حين يتحدث في الشأن العام لا يمكنه التذرع بالبراءة السياسية لأن كلمته تُحسب وتُؤوَّل وتؤثّر
القضية هنا ليست في شخص لويس ساكو بحدّ ذاته، بل في رمزية الخطاب.
فالعراق الذي ما زال يبحث عن تماسكه الداخلي لا يحتمل مزيدًا من الخطابات التي تُستثمر لإثارة الانقسام وأي كلام يُفهم منه ترويج للتطبيع سواء عن قصد أو غير قصد يتحوّل إلى مادة صدامية في مجتمعٍ ما زال ينظر إلى فلسطين بوصفها مرآة لآلامه الخاصة.
إنّ أخطر ما في هذه السجالات ليس الخلاف حول تصريحٍ أو موقف بل تطبيع الفكرة ذاتها في الوعي العام عبر بوابة “السلام” و“الإنسانية” فالتطبيع حين يُقدَّم بوصفه قيمة أخلاقية يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين السلام العادل والاستسلام المقنّع وحين تُنزع السياسة من سياقها التاريخي يصبح الضحية مطالبًا بالتسامح قبل أن يستعيد حقه.
لذلك فإن ساكو كشخصية دينية مطالب اليوم بأن يكون أكثر دقة ووضوحًا فالكلمات في هذا الشرق ليست محايدة والسكوت ليس صمتًا بريئًا والتلميح قد يكون أخطر من التصريح ومن أراد السلام حقًا عليه أن يبدأ بتسمية الظلم لا بتجميله.
في الخلاصة إن الجدل حول “مطالبة لويس ساكو بالتطبيع” يعكس أزمة أعمق من مجرد موقف فردي ؛ إنه يعكس صراعًا بين خطابين :
خطابٍ يرى في السلام قيمة منفصلة عن العدالة
وخطابٍ يؤمن بأن لا سلام بلا حق ولا تعايش فوق المقابر.
وبين هذين الخطابين يبقى السؤال معلقًا في ضمير العراقي والعربي :
هل نريد سلامًا يُنهي الصراع أم سلامًا يُنهي الذاكرة ؟
د.رافد حميد فرج القاضي
منبر العراق الحر منبر العراق الحر