جناح وردي على حافة الموت : رحلة الفلامنكو في العراق….د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :

ان مرور طائر الفلامنكو فوق أرضٍ العراق ليس مجرد تفصيل في تقويم الهجرة ولا حدثًا بيئيًا عابرًا يصلح للدهشة المؤقتة والتصوير السريع إنّه فعل ذاكرة وامتحان مكان، وشهادة كائن هشّ على ما آلت إليه العلاقة بين الإنسان والطبيعةوحين يمرّ الفلامنكو بالعراق، فإنّ الأمر يتجاوز المصادفة البيولوجية ليغدو حدثًا أخلاقيًا مكتمل الدلالة.

الفلامنكو، هذا الطائر الورديّ الذي يبدو كأنه خرج من أسطورة مائية قديمة، لا يعرف الحدود، ولا يعترف بجوازات السفر، ولا يفهم منطق الدول وبوصلته الوحيدة هي الماء، وذاكرته الوحيدة هي الغريزة المتراكمة منذ آلاف السنين ومع ذلك، فإنّ مساره، حين يعبر العراق، يتحوّل من رحلة طبيعية إلى مرثية معلّقة في السماء.

_الهجرة : حين تتذكّر الطيور ما نسيه البشر.
تهاجر طيور الفلامنكو آلاف الكيلومترات سنويًا، من إفريقيا إلى جنوب أوروبا وغرب آسيا، بحثًا عن المياه الضحلة الغنية بالحياة والهجرة هنا ليست هروبًا، بل نظامًا كونيًا دقيقًا، تُعيد فيه الطبيعة ترتيب نفسها بلا ضجيج والطائر يعرف متى يرحل وأين يحطّ، ومتى يعود. أمّا الإنسان فيعرف غالبًا… ثم يدمّر.

العراق، الذي كان يومًا قلبًا نابضًا في خارطة الطيور المهاجرة، تحوّل عبر العقود إلى مساحة اختبار قاسٍ : تجفيف الأهوار، تلوّث المياه اختلال التوازن البيئي، ثم فوضى الصيد بوصفها رياضة أو موردًا سريعًا ففي هذا السياق، يصبح مرور الفلامنكو عودة شاهدٍ قديم إلى مكان الجريمة.

_الأهوار : ذاكرة الماء حين تُهان.
ليست الأهوار مجرد بيئة طبيعية، بل حضارة سائلة وأقدم علاقة عرفها الإنسان مع الماء وهنا تعلّم الإنسان أن يعيش دون أن يستولي وأن يصطاد دون أن يُبيد لكنّ ما جرى للأهوار لم يكن خطأ عابرًا، بل جريمة مركّبة: قرار سياسي وإهمال إداري وصمت اجتماعي.

حين يحطّ الفلامنكو على بقايا هذه المياه فإنه لا يبحث عن غذاء فحسب، بل يختبر سؤالًا وجوديًا : هل ما زال المكان قادرًا على احتضان الحياة؟
وغالبًا ما تكون الإجابة مؤقتة، هشّة، معلّقة بين نجاة قصيرة ورحيل حتمي

_ضيفٌ يعرف أنّه قد لا يعود.
يعرف الفلامنكو، بغريزته التي لا تخطئ، أنّ المرور بالعراق ليس وعدَ عودة ويعرف أنّ السماء هنا مثقلة بالبنادق، وأنّ الماء محاصر بالأشباك، وأنّ الجناحين الورديّين قد يتحوّلان في لحظة إلى هدف ويعرف أنّه قد يُصاد باسم المتعة، أو الفقر، أو الجهل وأنّ موته لن يُسجّل إلا كخبر عابر في صفحة محلية أو كصورة قصيرة على شاشة الهاتف ومع ذلك…
يمرّ لأنّ في هذا العبور معنى أسمى من النجاة.
يمرّ لأنّ الأرض التي تنزف لا تُقاطع بل تُواجَه.
يمرّ لأنّ الجمال حين يُحاصر، لا ينسحب، بل يقدّم نفسه شاهدًا.

_البنادق في مواجهة الأجنحة.
في مكان ما من هذا البلد تُرفع بندقية نحو السماء، لا دفاعًا عن حياة، بل اعتداءً عليها شبكة صيد تُنصب في ممر الهجرة، لا جوعًا فقط بل استخفافًا بفكرة التوازن هنا لا يُقتل طائر فحسب، بل تُصاب فكرة العبور الآمن ويُكسر عقدٌ غير مكتوب بين الإنسان والطبيعة.
حين يسقط الفلامنكو، لا يسقط وحده تسقط معه صورة العراق بوصفه أرض استقبال، وتُضاف جريمة جديدة إلى سجلّ الإخفاق الأخلاقي في حماية ما لا صوت له.

_الانتقام الذي لا يشبه القتل.
الفلامنكو لا ينتقم بالمعنى البشريّ ولا يعرف الحقد، ولا يحمل ذاكرة دم وانتقامه الوحيد أنّه يحبّ هذه الأرض رغم موتها، وأنّه يمرّ فيها رغم علمه بأنّ المرور قد يكون النهاية وهذا هو الانتقام الرمزي الأعلى : أن تفضح الخراب بجمالك، وأن تُحرج القاتل ببراءتك
فحين يُقتل طائر مهاجر، لا تكون الخسارة بيئية فقط بل حضارية لأنّ المجتمع الذي لا يحمي الطائر، لن يحمي الإنسان المختلف ولا الفكرة الهشّة، ولا الحياة حين تكون ضعيفة.

_الفلامنكو والتضحية الأخيرة.
الفلامنكو يعلم أنّ المرور بالعراق ليس عبورًا عابرًا، بل رحلة محفوفة بالمخاطر وأنّه قد لا يعود يعلم أنّ البنادق تترصده، وأنّ الأشباك تحاصره، وأنّ المياه التي يحطّ عليها اليوم قد تكون غدًا فخًا أو قبرًا. يعرف أنّ جناحيه الورديّين، رمز الحرية والجمال، قد يتحوّلان في لحظة إلى أهداف بشرية عابرة، وأنّ موته لن يُسجّل إلا كخبر عابر في صفحة محلية أو كصورة قصيرة على شاشة الهاتف ومع ذلك، يمرّ.

يمرّ لأنّ حبه للأرض أعمق من خوفه من الموت، لأنّ الولاء للحياة أقوى من غرائزه للبقاء يختار التضحية بنفسه ليذكرنا بأنّ الأرض، مهما ابتعدنا عن إنسانيتها، لا تزال تستحق الحماية وإنّ مروره ليس فقط رحلة طائر، بل مرثية معلّقة في السماء، شهادة صامتة على ما فُقد وما يمكن استعادته.

في هذا العبور، يُحوّل الفلامنكو جناحيه إلى لافتة احتجاج صامتة، يُعلن فيها أنّ الخراب ليس النهاية، وأنّ الجمال قد يمرّ حتى في أسوأ الظروف إنه انتقام رمزي من الإهمال والدمار : لا يقتل أحدًا، لكنه يُجبرنا على مواجهة فعلنا على رؤية ما أهدرناه، على الإحساس بما فقدناه قبل أن نفقده تمامًا.

حين يغيب الفلامنكو عن سماء العراق بعد مروره، لن يكون غيابًا عاديًا، بل نداءً خافتًا يعلو فوق صمت الأهوار والمسطحات المائية المتعبة، ليذكّرنا بأنّ الحياة تحتاج إلى شجاعة أكثر من مجرد وجود، وأنّ التضحية أحيانًا هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الذين يصرّون على تدمير ما هو أرقى منهم.

إنّه يمرّ، يختفي، وربما يُقتل لكنّه يترك لنا سؤالًا لا يغفر :
كيف نحمي من يحبّ الأرض أكثر منا ؟
كيف نسمح للبنادق والأشباك أن تنتصر على الحرية والجمال ؟
وكيف لنا أن نستمرّ في نسيان أنّ كل كائن ضعيف، وكل طائر مهاجر، وكل مياهٍ نظيفة تحمل شهادة على ما نحن عليه؟

الفلامنكو لا يغادر العراق بلا رسالة ورسالته هي أنّ التضحية ليست خسرانًا، وأنّ الجمال قد يمرّ عبر الموت ليعلّمنا معنى البقاء رسالته أنّ الأرض التي نحبّها ليست ملكًا لنا وحدنا، وأنّ حمايتها مسؤولية تتجاوز الحاضر وتطال كل الأجيال القادمة.

وفي كل مرة نرفع أعيننا إلى السماء، لن يكون طائرًا هاربًا نراه، بل رمزًا حيًّا لتحدٍ أخلاقيّ مستمرّ : تحدٍ يقول إنّ الحياة، رغم كل الخراب تستحق أن نحميها، وأن نضحي من أجلها، وأن نكون جديرين بها، قبل أن تختفي إلى الأبد من أمامنا.

د.رافد حميد فرج القاضي

 

اترك رد