منبر العراق الحر :
تمهيد
ما جرى في جلسة 29 ديسمبر/كانون الأول 2025 لم يكن مجرد انتخاب “رئيس مجلس نواب” وفق الاستحقاق الدستوري، بل كان اختبارًا مبكرًا لشكل النظام السياسي في الدورة السادسة: من يمسك قرار البيت السُنّي؟
وكيف تُدار حدود الشراكة مع القوى الشيعية والكردية؟ وأين يقف العامل الخارجي حين تتقاطع مصالح بغداد مع حسابات واشنطن وطهران؟
وكالة رويترز وصفت الجلسة بوصفها خطوة افتتاحية لمسار تشكيل السلطة الذي يبدأ بانتخاب رئاسة البرلمان ثم انتخاب الرئيس خلال 30 يومًا ثم تكليف الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة، وهي عملية “تطول عادةً لأشهر” في العراق.
انزياح السلطة من الفاعل الى الاطار
من زاوية “هندسة التوازنات”، انتخاب هيبت الحلبوسي بـ 208 أصوات من أصل 309 نائبًا حضروا (بحسب ما نقلته وكالة أسوشيتد برس) يعكس أن قرار الرئاسة لم يُحسم داخل المكوّن السُنّي فقط، بل عبر اصطفاف عابر للمكونات يقرأ اللحظة على أنها لحظة “غلق بوابة” الانسداد وإطلاق مسار تشكيل الحكومة. أسوشيتد برس لفتت إلى أن العراق يمشي على حبل مشدود بين واشنطن وطهران في ظل توتر إقليمي، وأن البرلمان الجديد أمام ملفات ثقيلة مثل مشروع قانون مرتبط بالحشد الشعبي والديون والفساد. هذا الإطار مهم لأنه يفسّر لماذا كانت القوى الشيعية والكردية تميل إلى “المرشح القابل للتعامل” أكثر من ميلها إلى “المرشح الصدامي”.
داخل البيت السُنّي نفسه، جوهر المشهد كان صراعًا على من يملك حق إنتاج الشرعية: هل هي شرعية “المجلس السياسي الوطني” بوصفه مظلة تنسيقية، أم شرعية الكتل والقيادات كلٌ بوزنه؟ تقارير محلية وإقليمية (مثل 964media) ذكرت أن خلافات المجلس تعمّقت لأن قواعده الداخلية كانت تُقدَّم كقواعد “توافق” لا “تصويت أغلبية”، وأن السامرائي احتج بأن ترشيح الحلبوسي لا يعكس “إرادة المجلس” وفق تلك القواعد، وهو ما يفسر ذهابه إلى خيار الترشح ثم الانسحاب لاحقًا. وفي لحظة الانسحاب بالذات، شفق نيوز نقلت أن السامرائي قال إن انسحابه جاء استجابةً لنداءات الإطار التنسيقي وطلبات من قوى سنية، ما يعني أن قرار الانسحاب لم يكن “تنازلًا شخصيًا” فقط، بل تسوية لتجنب صدام داخل المكوّن السُنّي من جهة، ومنع اهتزاز تفاهمات أوسع مع القوى الشيعية من جهة ثانية.
من النفوذ التفاوضي إلى الضبط المؤسسي وإدارة رسائل الخارج
دبلوماسيًا، الرسالة الأوضح لم تكن في اسم الرئيس بقدر ما كانت في اسم النائب الأول . “أسوشيتد برس “أشارت إلى انتخاب عدنان فيحان نائبًا أول بـ 177 صوتًا وربطته بانتماء إلى عصائب أهل الحق المصنّفة أمريكيًا، واعتبرت أن ذلك “قد يثير قلق واشنطن”. هذا التفصيل يغيّر طريقة قراءة الصفقة: فالاطار التنسيقي لم يعد يكتفي بحصة “حكومة” أو “لجان”، بل يدفع باتجاه مواقع إدارة الإيقاع البرلماني نفسه، لأن رئاسة البرلمان ونوابه ليست مواقع بروتوكولية؛ إنها مفاتيح جدول الأعمال، ووتيرة التشريع، وقابلية تمرير/تعطيل القوانين الحساسة.
وكالة الأنباء العراقية الرسمية (INA) ثبّتت الأرقام نفسها تقريبًا حين ذكرت فوز فيحان 177 مقابل 107 لمنافسه (المندلاوي) مع أصوات باطلة، وهو ما يمنح الواقعة وزنًا توثيقيًا إضافيًا.
هنا يظهر الاطار التنسيقي “البراغماتي” كما وصفتَ: البراغماتية ليست تنازلًا عن المشروع، بل تحويل فائض القوة إلى نفوذ مؤسسي يقلّل كلفة الصدام ويزيد القدرة على إدارة التوازن مع الخارج. فحين تذهب كتلة/جماعة مرتبطة بفصائل مسلحة إلى موقع نائب أول، فهي تقول للأطراف كافة: نحن جزء من الدولة عندما نريد، وقوة ضغط خارجها عندما نحتاج. وبالمنطق الدبلوماسي، هذا يضع واشنطن أمام معضلة: كيف تستمر في الشراكة الأمنية والمالية مع بغداد بينما تتوسع مواقع قوى تصنفها أو تعاقبها؟
“أسوشيتد برس “ألمحت لهذا المعنى عندما ربطت انتخاب نائب أول من العصائب بإمكانية انزعاج أمريكي. أما “المحور الخارجي”، فالأدق مهنيًا أن نقول: البيئة الإقليمية تخلق سقفًا وضغوطًا وتفتح قنوات، لكنها لا تُكتب دائمًا كوقائع معلنة في خبر انتخاب رئيس برلمان. ما يمكن الاستناد إليه بمصدر مباشر هو أن “شدّ الحبل” بين واشنطن وطهران حاضر كإطار ضاغط على تشكيل السلطة، وقد تناولته الجزيرة في قراءة لمسارات تشكيل الحكومة بعد انتخابات 11 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، متحدثة عن تعقيد المشهد وارتفاع تمثيل الفصائل ضمن البرلمان، بما يجعل كل استحقاق (ومن ضمنه رئاسة البرلمان) جزءًا من معركة توزيع النفوذ داخل المنظومة.
ومن جهة أخرى، “الشرق الأوسط” قدّمت توصيفًا لانتخاب الحلبوسي بأنه جاء بعد “تسوية” و”تفاهمات في الكواليس” وبدعم قوى شيعية وكردية، وهو توصيف ينسجم مع فكرة أن الحسم لم يكن سنيًا صرفًا.
الخلاصة التحليلية: ما حدث يشير إلى معادلة ثلاثية. أولًا، في البيت السُنّي هناك انتقال من منافسة “من يمثل الجمهور” إلى منافسة “من يملك مفاتيح الشراكة” مع الإطار والكرد؛ لذلك يصبح الانسحاب تكتيكًا لحفظ الموقع داخل اللعبة لا خروجًا منها. ثانيًا، في البيت الشيعي هناك مسعى لتحويل وزن الفصائل من نفوذ تفاوضي إلى نفوذ دستوري عبر مواقع البرلمان الحساسة، بما يضع واشنطن في موقف مراقبة حذرة. ثالثًا، في البعد الدبلوماسي، تسويات بغداد صارت تُقرأ دائمًا على خلفية ميزان إيران–أمريكا، لا باعتبارها شأنًا داخليًا بحتًا، وهو ما أكدته تغطية أسوشيتد برس وإشاراتها إلى شدّ الحبل بين العاصمتين.
الخاتمة
إذا أردنا تسمية ما جرى بدقة: هو انتخابٌ دستوريٌ بتسوية سياسية مركّبة. انسحاب السامرائي، كما نقلت شفق نيوز، قدّم نفسه كاستجابة لضغط الإطار ونداءات “وحدة الموقف”، لكنه في العمق يشي بأن رئاسة البرلمان تحولت إلى “بوابة تفاوض” على الحكومة المقبلة لا إلى منصب مستقل. والأهم دبلوماسيًا أن اختيار نائب أول من العصائب، كما أبرزته أسوشيتد برس، يرسل إشارة بأن القوى الأقرب لطهران لا تكتفي بتأثير غير رسمي، بل تقترب أكثر من قلب هندسة الدولة، ما يرفع سقف الأسئلة الأمريكية حول شكل الشراكة مع بغداد في المرحلة القادمة.
منبر العراق الحر منبر العراق الحر