ولادة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) في قلب الكعبة _د.رافد حميد فرج القاضي

منبر العراق الحر :…. الحدث التأسيسي لعقل العدالة ومأزق السلطة والشرعية في التاريخ السياسي الإسلامي_…..

لم تكن ولادة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام ) حدثًا عابرًا في سجل الزمن ولا واقعةً يمكن اختزالها في تاريخٍ أو مناسبةٍ احتفالية بل كانت نقطة انعطاف كبرى في الوعي الإنساني وولادةً رمزيةً لفكرة العدالة بوصفها قيمةً حية لا شعارًا ومسؤوليةً أخلاقية لا ترفًا نظريًا وقد جاءت ولادته في لحظةٍ كانت الإنسانية فيها تتخبّط بين سلطان القوة وغياب المعنى فجاء عليٌّ لا ليملأ فراغًا سياسيًا لاحقًا بل ليؤسّس معيارًا أخلاقيًا ظلّ ولا يزال عصيًّا على الاحتواء أو التهميش.

في الثالث عشر من شهر رجب وقبل بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وآله) بسنوات انفتحت الكعبة المشرفة على حدثٍ لم تعرفه قبل ذلك ولا بعده انشقّ الجدار لا ليُدهش العين فقط بل ليُعلن أن هذا المولود لا ينتمي إلى السياق الاعتيادي للتاريخ وأنه سيحمل معه معنى يتجاوز حدود القبيلة والزمان فاطمة بنت أسد المرأة التي آمنت قبل الإسلام واحتضنت النبي في صغره تدخل جوف البيت الحرام لتلد عليًا ( عليه السلام ) وكأن الطهارة كانت تسلّم الطهارة وكأن الإيمان كان يورّث الإيمان.

من الناحية الأكاديمية والتاريخية لا يمكن التعامل مع ولادة الإمام علي ( عليه السلام ) في الكعبة بوصفها رواية هامشية أو مبالغة وجدانية إذ نقلها عدد معتبر من المؤرخين والمحدّثين من مختلف المدارس بما يجعلها واقعة ذات ثقل رمزي ومعنوي لا يمكن تجاهله غير أن أهمية الحدث لا تكمن في إثباته فحسب بل في فهم دلالته : لماذا وُلد علي في أقدس مكان ؟
وما الذي أراد التاريخ أن يقوله منذ اللحظة الأولى ؟
لقد كانت الكعبة قبل الإسلام وبعده، رمز التوحيد الخالص ومركز المعنى الروحي في حياة الإنسان المؤمن.

أن ولادة الامام علي ( عليه السلام ) في هذا الموضع تحديدًا يعني أن حياته كلها ستكون مرتبطة بجوهر التوحيد لا بمظاهره وبالعدالة لا بمناوراتها وبالحق لا بتوازناته السياسية وقد خرج من الكعبة كما يخرج المعنى من الرمز، لا ليبقى فيه بل ليحمله إلى العالم.

نشأ الإمام علي ( عليه السلام ) في بيت النبي محمد (صلى الله عليه وآله) في بيئةٍ نادرةٍ لم تعرف الانفصام بين القول والفعل ولا التناقض بين الأخلاق والسلوك وقد تربّى علي على الصدق قبل الوحي وعلى الأمانة قبل التشريع وعلى الرحمة قبل أن تصبح قانونًا وهذا ما يفسّر من منظور تحليلي، قدرته الفريدة لاحقًا على الجمع بين الشجاعة المطلقة والزهد العميق وبين القوة الأخلاقية والتواضع الإنساني.

ولادة الإمام علي ( عليه السلام ) لم تكن بداية لمسيرة فردية بل انطلاقًا لمشروع إنساني متكامل فمنذ طفولته كان علي حاضرًا في قلب التحوّل الإسلامي لا بوصفه تابعًا فقط بل بوصفه وعيًا مبكرًا بحقيقة الرسالة وحين نقرأ مواقفه اللاحقة ندرك أن كل تلك الصفات لم تكن مكتسبةً عرضًا بل كانت امتدادًا منطقيًا لتلك الولادة التي اقترنت بالمقدس وتشكلت في حضن النبوة.

من منظور فلسفي يمكن القول إن الإمام علي ( عليه السلام ) مثّل الضمير النقدي داخل التجربة الإسلامية لم يكن رجل سلطة بقدر ما كان رجل معيار وحين وصل إلى الحكم لاحقًا لم يتحوّل إلى حاكم تقليدي بل بقي وفيًا لتلك الولادة الأولى : ولادة الإنسان الحر الذي لا يرى في السلطة غاية بل امتحانًا قاسيًا للعدالة وهذا ما يجعل الحديث عن ولادته حديثًا عن جذور موقفه من الحكم والمال والإنسان.

إن إحياء ذكرى ولادة الإمام علي( عليه السلام ) ليس فعلًا شعائريًا بحتًا بل ممارسة فكرية وأخلاقية وهو استدعاء لسؤال كبير : لماذا فشلت المجتمعات عبر التاريخ في الاقتراب من نموذج الامام علي ( عليه السلام ) رغم وضوحه ونقائه؟
ولماذا بقي الامام علي ( عليه السلام ) مثالًا يُمجَّد لفظيًا ويُقصى عمليًا ؟
هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن الحدث نفسه بل قد تكون امتدادًا حقيقيًا له.

أن ولادة الإمام علي ( عليه السلام ) ليست ذكرى نحتفل بها ثم نغلق دفاترها بل جرحٌ مفتوح في ضمير التاريخ وهي الاتهام الصامت لكل سلطةٍ رفعت اسمه ثم خانت عدالته ولكل خطابٍ تزيّن بكلماته ثم سار عكس نهجه وان الامام علي ( عليه السلام ) لم يُظلم لأنه خسر الحكم فقط بل لأنه قُدِّم كنموذج مستحيل بدل أن يُتَّخذ معيارًا واجبًا.

لقد وُلد الامام علي ( عليه السلام ) في قلب الكعبة لكن كثيرين حاولوا إخراجه من واقع الحياة وحصره في المنابر والكتب لأنه كان مرآةً قاسية تكشف زيف الادعاء وتفضح هشاشة الأخلاق حين تُختبر بالسلطة وان الامام علي ( عليه السلام ) ليس تاريخًا ندرسه بل سؤالًا يطاردنا : ماذا فعلنا بالعدالة التي جاء بها ؟
وأين وضعنا الإنسان الذي دافع عنه ؟
وإن أخطر ما في ولادة الإمام علي ( عليه السلام ) أنها لم تكن ولادة مريحة للظالمين ولا حتى للحياديين. هي ولادة تُربك وتدين وتطالب ومن فهم عليًّا ( عليه السلام ) حقًا لا يستطيع أن يصمت على الظلم ولا أن يساوم على الحق ولا أن يبرّر الفساد باسم الواقعية.

ولهذا السبب ظل علي حاضرًا أكثر من اللازم ومزعجًا أكثر من اللازم ونقيًا أكثر مما يحتمله التاريخ
ولذلك فإن ولادة الإمام علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ليست حدثًا انتهى في الثالث عشر من رجب بل ولادة مستمرة تتجدد كلما وقف إنسان في وجه الجور وكلما قال عقلٌ حرٌّ “لا” في زمن الخوف وإنها الولادة التي تفضحنا بقدر ما تُلهمنا وتُديننا بقدر ما تمنحنا أملًا أخيرًا بأن العدالة ليست وهمًا… لكنها تحتاج إلى شجاعة الامام علي ( عليه السلام ) دون ترديد كلماته فقط .

د.رافد حميد فرج القاضي

اترك رد