السياب بين المرض والفن والثورة… الكاتب: عائد ماجد

منبر العراق الحر :

تلك الزهور الذّاويات، أكن يعرفن الغرام؟
ما حبهن؟ نوى وصدى، أم عناق والتثام؟
والغدر… يا غدر الزهور، أهن يشبهن الأنام؟

بدر شاكر السياب – خواطر حائرة

شاعر النهر النحيل، اللقب الذي لازم السياب في مسيرته الشعرية، لتغنيه الدائم بقريته جيكور، التي يمتد فيها نهر صغير. كانت القرية منبع شعره الأول، التي حملت في داخله ضدين؛ فهي مرة كانت ذكرى الطفولة التي لا تفارقه، ومرة بداية الألم الذي يذكره بوالدته التي ماتت وتركت أثرًا في نفس السياب لم يفارقه حتى مماته.

خيالك من أهلي الأقربين
أبر وإن كان لا يعقلُ

أبي منه قد جردتني النساء
وأمي طواها الردى المعجلُ

ممات أمه لم يؤثر على باقي إخوته كما أثر عليه، لشاعريته التي أبدَاها مبكرًا وحساسيته، وظهرت هذه الشاعرية بشكلها الجاد في ديوانه الأول «أزهار ذابلة»، الذي طبع في مصر عام 1947م. حمل هذا الديوان قصائده الرومانسية، وهي أول المراحل في شعر السياب، من الحب والمشاعر والريف وبيئته. فنقرأ هذه المشاعر كما لو كانت صورة ذات ألوان زاهية، فكان صادقًا وبارعًا في نقل تلك المشاعر، فيحس القارئ بها كما لو كانت صورة مرئية.

يا ليتني أصبحت ديواني
اختال من صدر إلى ثان
قد بت من حسد أقول له
يا ليت من تهواك تهواني
ألك الكؤوس ولي ثمالتها
ولك الخلود وإنني فان
يا ليتني أصبحت ديواني
اختال من صدر إلى ثان

فكان من شأن هذه الشاعرية الجبارة أن تفعل ما لم يفعله أحد بعد الوشاحين في فترة الأندلس، فتفرد في إبداعه في إخراج القصيدة العربية من قالبها. فلم يكتفِ بهذا فقط، بل استعمل الأدب الغربي في دعم الشعر العربي، الذي غير قالبه مع الحفاظ على الروح الأدبية العربية.

أواه بايرن، أنت من عرف الهوى
روحي فداؤك، والهوى يا شاعر

الحب تقضية المآرب والمنى
ما أمكنتك من الحبيب مقادر

«يقصد اللورد بايرون الشاعر الإنكليزي المعروف بتعدد علاقاته مع النساء». وهذا ما يظهر في شعره، فهو يعود لسلف الشعراء العرب في صياغاتهم وتعبيراتهم، ويحرر بأسلوب تي. أس. إليوت واللورد بايرون وغيرهم من الشعراء الإنكليز هذه التعابير من الرتابة. وهو ما يظهر في عديد من قصائده، متأثرًا بأسلوب إليوت الصوري، حيث تتسلسل الصور دون أن يتحدث عن الحدث مباشرة، بل يجعل تسلسل الصور يوحي بالحدث.

وهنا يسكن إبداع هذا الشاعر، وهو فتح باب التحرر الشعري للشعر العربي، وبقي وفيًا لهذه الحركة حتى آخر أيام حياته، فلم يتجه أبدًا نحو الرتابة رغم مواكبته لكل مشاكل البلدان العربية، ولم يذهب أبدًا نحو الرمزية التي تخفي المعاني، حتى في فترته الأخيرة عند سكنه في لندن أو عند مرضه. فكتب عن ما فيه من ألم لدرجة أنه كان يكتب قصيدة واحدة كل يوم تقريبًا، ويظهر ألمه في قصيدة الوصية.

إقبال، إن في دمي لوجهك انتظار
وفي يدي دم إليك شدة الحنين
ليتك تقبلين من خلل الثلج
الذي تنثه السماء

وعن نفسي أرى السياب يسوع، ذلك النبي الذي قسم التاريخ لما قبله وما بعده، فقتله قومه. وهذا ما فعلناه بالسياب، الذي قسم الشعر العربي، فظلم ولم يُفهم حتى أعياه السقم ومات.
عرض

اترك رد